السبت, 17 نوفمبر 2018

قراءة أيديولوجية في ديوان "ما بعد السابعة حربا"

الثلاثاء 04 سبتمبر 2018 08:31 ص بتوقيت مسقط

قراءة أيديولوجية في ديوان "ما بعد السابعة حربا"


عبد الله جمعة – ناقد أدبي - مصر


بعد صدور ديوان "السابعة حربا بتوقيت دمشق" لصديقي الشاعر السوري (عمر هزاع) أهداني نسخة منه محملة فضاءا في ملف"pdf" ولأنني أتابع الرحلة الإبداعية لعُمَرَ منذ عام ٢٠٠٦م، تقريباً فلم تكن نصوصه غريبة عني لأنني منذ تلك الفترة أتابعها وأتلمس خطى تطورها حتى إنني بصدد تأليف كتاب عن رحلة عمر هزاع الإبداعية .
لقد اختفى عمر عن عيني وعن عين محبيه خلال رحلة هروبه الأولى من الحرب السورية إلى اليمن ولكنه عاد بعد رحلة هروبه الثانية بعُمَرَ جديدٍ .
وحين شرعت في قراءة ديوان"السابعة حربا بتوقيت دمشق" انتابني إحساس أنه عمر جديد غير عمر الذي عرفته وقدمت فيه قراءات تحليلية عديدة أتناول نصه بالتفسير ، لم يتغير عمر معجميا أو تكنيكيا فثراؤه المعجمي هو هو وقدراته على المراوغات التعبيرية هي هي مع الإقرار بفعل الزمن والخبرة وتطور آليات التعاطي مع النص الإبداعي .
ولكن الذي تغير روح عمر فلقد قدمت قراءات متنوعة في نص عمر قبل الهجرة وحين تعرضت لأيديولوجيته في إحدى قراءاتي ذكرت أنه يبني فكرة مواجهته واقعه الشعري على فلسفة"الاستعلاء" ... وكان ذلك تقريبا عام ٢٠٠٩ وقد ذكرت ذلك في كتابي"مكامن الإبداع" [ج١] الصادر عام ٢٠٠٦ وكان مما قلته نصا : "ومن الشعراء من اتخذ من فلسفة الاستعلاء على الواقع زاوية رؤية ، حيث يستشعر الشاعر في هذه الدائرة أن الواقع لم يعطه حقه فهو - بحسب رؤيته- يملك أكثر بكثير مما كافأه به الواقع الحقيق فيشعر بخيبة أمل تجاه هذا الواقع ومع كبريائه وإحساسه بذاته وشعوره بأنه أكبر من أن يشكو أو يلتمس من الواقع إنصافه يتجه بقوة إلى الاستعلاء على هذا الواقع ، حيث يقوم بتصغيره وتحقيره والتهوين من شأنه كمحاولة للشعور بأنه أكبر من هذا الواقع بل هو أكبر من أن يطلب وأن هذا الواقع هو الخاسر ومن ثم يقوم بالتقليل من شأنه - الواقع - من خلال تأكيده المستمر على سمو نفسه وارتفاعها عن الصغائر وعدم احتياجه لمعطيات الواقع بل دائما يذكره بأنه هو الذي في حاجة إليه يقول في قصيدة (حذام) :
إذا - أنا - عشقت يا حذام
فمن يكون"قيصرٌ" أمامي
ومن يكون قيس في جنوني
ومن يكون عمرو في هيامي
ومن يطيق مثل ما بصدري
ومن يصب مثل ما بجامي
إن اعتداد الشاعر بنفسه وشعوره بأنه أعلى من الواقع جعله يسمو بنفسه عن الاحتياج حتى في تجاربه الغزلية ، ونلاحظ في هذه التجربة أن الشاعر يبدأ بوصف عشقه وتكون البداية بالتعبير (أنا) ليثبت أنه أقوى وأعلى من ذلك الواقع ومن ثم فإذا تأخر الواقع عن إعطائه ما يستحق فإنه - الواقع - الخاسر ، وتأكيدا لسمو نفسه وارتفاعها عن مستوى الاحتياج فإن "قيصر" وقيس وعمرو.. وغيرهم من أساطين الغرام لا يقفون عند هامته إن أحب ... والواقع هنا تمثله (حذام) ذلك الرمز الذي يسقط به على محبوبته ومن ثم فهو يعامل حذام بوجه الاستعلاء معلنا لها - كواقع - أنها الفائزة إن أعطته ما يستحق وستكون بالقطع الخاسرة إن لم ينل منها ما يوازي قدره" [ص٤٧] .
وتوضيحا لمفهوم الواقع الشعري الموازي للواقع الاجتماعي قلت مستطردا : "وكما عبرت آنفا فلست أعني بالواقع هنا المجتمع في حد ذاته ولكنني أتحدث هنا عن الواقع الشعري الذي يتصادم معه الشاعر في تجاربه الشعرية ، وهذا الواقع يمثل - حقيقةً - موضوع التجربة الشعرية التي يتناولها الشاعر وفلسفته في التناول إنما هي زاوية رؤيته" [نهاية ص ٤٧] .
وفي قراءة تحليلية قديمة أخرى لي بعنوان" الأصوات الانفجارية في شعر عمر هزاع" قدمت إحصاءً لعدد الأصوات الانفجارية في أحد نصوص عمر وأثبت من خلالها نزعته وميله إلى استعداء هذا الواقع والتصدي له بحس عدواني متسم بالشراسة حتى إننا تضاحكنا سويا كثيرا لهذا الحكم وظل عمر يؤنبني ضاحكا بأنني اتهمته بالعدوانية وما كنت قطعا أعني سوى عدوانيته لواقعه الشعري لا واقعه الاجتماعي .
كانت تلك زاوية رؤية عمر هزاع أو فلسفته أو أيديولوجيته التي ينطلق منها في مواجهة واقعه الشعري والحكم عليه .
.
.
ولكن !
عمر بعد "السابعة حربا" ليس عمر قبلها .
إن"الجذريين" وعلى رأسهم (جان بول فيبير) في كتابه"سيكولوجية الفن" يحاولون تفسير النص من خلال إشارات نصية تظهر بصورة شعورية واعية في بعض الأحيان أو بصورة لا شعورية ولا واعية في معظم الأحيان في عمل مجموعة من الأعمال الشعرية وهي تظهر بصورة مباشرة واضحة أو بصورة غير مباشرة رمزية لكن يظل الرمز بديلا تماثليا ودالا على الموضوع المرموز إليه .
إن مفهوم الجذر عند النقاد الجذريين يشبه إلى حد كبير مفهوم العقدة في التحليل النفسي عند فرويد ؛ إذ إنه يظل لا شعوريا وفي معظم الأحايين غير مفهوم من الأديب نفسه الذي لا يدرك أنه يفكر ويسلك بدافع منه ويعتقد (فيبير) أن تلك الجذور ترجع إلى حوادث ترسخت في وجدان الأديب .
ثم يقسم (فيبير) الجذور إلى نوعين :
(الأول) جذور شخصية خاصة بأديب واحد .
(الثاني) جذور غير شخصية بمعنى أن أدباء أو كتابا عديدين يشتركون فيها فيما يشبه اللاوعي الجمعي .
ولكنني هنا معنيٌّ بالقسم الأول"الجذور الشخصية" وهي جذور - كما يعتقد فيبير - غير قابلة للاختزال أو التجاهل أو التبسيط ، ذلك أنها تؤثر في العمل الأدبي وترسم مصيره سواء أكان الأديب واعيا بذلك أم غير ذلك .
ويكمن هنا دور الناقد في الغوص حتى يضع يده على هذا الجذر في أعماق وجدان الأديب ليكشف عن حركاته وفعالياته المؤثرة في إبداعه .
والجذر الشخصي ليس عقدة نفسية بالمفهوم الفرويدي ؛ إذ إن له خاصية مختلفة ونتيجة لوقوعه خارج المفردات العامة للدوافع والعقد التي حدد منهجها أتباع (فرويد) ، فالجذر الشخصي عبارة عن طبقة مختلفة من الدلالات الضمنية المزودة بعدد لا نهائي من البنيات والفروق الدقيقة التي تبرز معها فكرة أو رمزا أو صورة أو أكثر لتفرض نفسها على سياق العمل الأدبي بدلالات متنوعة ومختلفة مثل صورة"الطير المحتضر" التي تتردد في أشعار (مالارميه) .
وقبل أن أخوض في ذلك (الجذر الشخصي) الذي دفعني إلى الغوص في ديوان"السابعة حربا بتوقيت دمشق" سأقف وقفة قصيرة على العنوان الذي قد يقع في ذهن المتلقي العادي بأن (عمر هزاع) إنما هو كشاعر و سوري يؤرخ لمرور سبع سنوات على الحرب السورية. ولكن الأمر أعمق من هذا بكثير فقد أخذني العنوان لموارد ربما لم تردها ذهنية أحد من البشر ؛
لقد لاطمني العنوان أياما وأنا أبحث في سيميائيته.
فهل كان عمر يعني مرور سبع سنوات على الحرب السورية فقط؟ مكتفيا بمجرد التأريخ لصدور الديوان بعد سبع سنوات من الحرب !
بالقطع لا ! فقد أخذني العنوان تارة إلى مدلول الاستمرار الذي يحمله وزن (فاعل) في العدد المصاغ على هيئته وكأن عمر ينطلق من قناعته بأن هذه الحرب قد بدأت ولن تنتهي وأن أمله قد انقطع في توقفها .
ثم قذفني العنوان إلى مشهد السبع العجاف اللاتي أكلن السبع السمان ؛ فسوريا الخير والنماء والإثمار والإزهار قد انقضت سنواتها السبع السمان وهي الآن تعيش السبع العجاف التي لا يعلم نهايتها إلا الله وحده .
ثم ألقت تلك اللفظة في روعي صورة الفرعون يحكم سوريا وفشل كهنته في تأويل الرؤيا فأتوا بيوسف "عُمَرَ" من سجنه (منفاه) ليفسر الرؤيا بأن هذه السبع العجاف ممتدة الأمد فدخول الغرباء من كل حدب وصوب قد أفسد السبب الذي قامت من أجله الحرب وحولها لحرب بلا هدف فضلت النتيجة المنشودة .
وفجأة قفز في ذهني الرسم السيميائي للعدد (٧) الذي تهيأ لي الرقم (١) مشقوقا من أعلى وكأنه جذع قد شقته فأس من أعلى فانفلق بزاوية منفرجة طرفاها متصلان عن القاعدة منفصلان لا يلتقيان أبدا عند القمة وأن هذا العدد (١) هو سوريا التي انشقت من أعلى بفعل فأس الحرب واتصلت عند القاعدة وأن أعلاها يمثل الطوائف المتنازعة على حكمها والمتصارعة فلا تلتقي أبدا وكلما زادت المسافة اتسعت الهوة بينها وقاعدتها تمثل الشعب الذي يقاوم مستميتا الانشقاق الذي يدق على رأسه من الأعلى .
لقد أسقطت لفظة (السابعة) كل تلك المدلولات السيميائية في ذهني .
ثم أسقطت كلمة (حربا) صوت إذاعة (دمشق) ومذيعها قديما يخبرنا بإشارات الوقت قائلا "هنا دمشق لقد أعلنت إشارات ضبط الوقت السابعة مساءً" كما كانت تعلن لنا إذاعة (القاهرة) فنضبط حياتنا ويومنا - نحن العرب جميعا - على توقيت القاهرة ودمشق .
هل تحولت إشارات ضبط الوقت الآن في (دمشق) إلى الإعلان عن توقيت انتظام الحرب بدلا من الإعلان عن توقيت انتظام الحياة ! ثم هل تحولت (دمشق) إلى عاصمة الحرب بعد أن كانت عاصمة الحياة !
إن سيميائية العنوان قد رسمت لي (عمر هزاع) يجلس أمام ساعة حائط دائرية ينظر إلى قاعدتها فيرى شعبا يطحن تحت عقاربها التي تدور كأنها الرحاة التي تدور لتشتت هذا الشعب في كل حدب وصوب لا لشيء سوى أنه آمن بتوقيت ساعة تبث له مواقيت الحياة فإذا هي تبث مواقيت الحرب .
إن العنوان ماثل أمامي في كل قصيدة من قصائده بسيميائية خاصة تستحق وقفة تحليلية مفصلة قد تستغرق وحدها كتابا أو ربما عدة كتب ولست مبالغا.
أعود إلى عُمَرَ !
وإن لم أغادره !
إن عمر في السابعة حربا - وكما قلت - في بدء حديثي هذا ليس عمر قبلها . إن حدثا ما قد وقع تحول إلى (جذر) ترسخ في وجدانه أشبه إلى حد كبير العقدة (الفرويدية) ، وكأن عمر قد أصبح يسلك بدافع من هذا الجذر .

أين عمر المستعلي على الواقع الشعري؟ الذي عبرت عنه في كتابي"مكامن الإبداع" [ج١] !
إنه يكافح الآن محاولا الحفاظ على تلك الأيديولوجية وإن مازجتها جذور أخرى تحولت إلى براكين مزلزلة محرقة تغلي تحت درع الاستعلاء ؛ براكين من الكره والحقد و الغل والرغبة في الانتقام من هذا الواقع الشعري ...
لقد أصبح هذا الاستعلاء درعا يحيط عمر نفسه ليخفي الخوف والرعب والمعاناة التي عاشها خلال رحلتي الهروب ومعايشة المنفي مرتين .
هو لم يكن طرفا في تلك الحرب ولم يكن ذا أيديولوجية ذات مصلحة تميل لطرف من أطراف تلك الحرب ، ولكنه وجد نفسه وأبناءه قد وقعوا جميعا في أتونها يحترقون فيها جميعا يحملهم على كاهله تارة من (سوريا) إلى (اليمن) وتارة ثانية إلى (قطر) .
ليس ذلك فحسب وهذا لعمري ليس بالقليل ، وإنما العذابات والويلات التي لاقاها في كل خطوة خطاها في رحلتي الهروب .
إنه يسدد طعنة سامة مميته بإحدى قصائد الديوان وهو يصف رحلة خروجه الأولى ليفيق عند أول حاجز للتفتيش وهو يحاول الخروج من سوريا وهذه القصيدة وحدها لها سيميائية رهيبة مزعجة للنفس البشرية التي تتلقاها ، فما بالنا بالنفس البشرية التي عاشتها !
يستوقفه أحد المرتزقة عند إحدى نقاط التفتيش وهو يوجه مسدسه له ويشده إلى الأمام وإلى الخلف في عنف ثم يسحبه ويدفعه بقسوة ثم يسبُّه سبًّا قبيحا مهينا لا يطاق ،
يسبه : أين تذهب ؟
يرد عمر : أنا لاجئ !
يسأله : إلى لبنان ؟
يقول عمر : لا
يسأله : إلى مصر ؟
يرد عمر : لا
فيسأل متهكما ساخرا : أ إلى جهنم ؟
يقول عمر : دربي اليمن .
فيضحك هذا القاطعُ الطريقَ هازئا.
كيف يكون رد فعل رجل عاش مكرما مكللا بتيجان الفكر والعلم والفن في وطنه يأتيه حقير كهذا يعامله بتلك المعاملة المشينة !
بل كيف لوطن هو رمز عزة وكبرياء مواطنيه يصبح مستباحا هكذا ! ومرتعا للغرباء يقطعون فيه الطريق على أبنائه الشرفاء !
يعود قاطع الطريق سائلا : افتح حقيبتك لأرى ما بها
يرد عمر : بها وطني ... !
يعود فيسأل قاطع الطريق : وماذا تركت لنا ؟
يهمس عمر في نفسه : عبادة الوثن !
إن هذا الحدث وحده لقادر على أن يخلق من نفسه (جذرا شخصيا) يظل راسخا في وجدان عمر ليتحول منطلقا أيديولوجيا لكل منتوج شعري ينتجه حتى آخر عمره بل لكل سلوك يسلكه الرجل حتى آخر عمره .
فما بالنا بأحداث أخرى أشد هولا من هذه قد عاشها الرجل !
إن ما رسخ في وجدانه مستجدا عليه يحتاج لفرويد ذاته يقف عليه يفسر لنا كل سلوك يصدر عن رجل نشأ في غاية الاستعلاء ليمر بكل تلك الأهوال !
يقول عمر في تلك القصيدة بعنوان "رحلة الشتاء لا الصيف" :
قف
(حاجز التفتيش أيقظني
من غفلة في غفلة الزمن
بمسدس
نحو الأمام ونحو الخلف
يسحبني
ويدفعني
وعبارة سوداء يقدحها
كشرارة حمراء تقدحني
ومَسَبَّةٍ مازلت أسمعها ؛ تجتاحني
طَنَّتْ بها أذني
- يا (.........) ! أين تذهب ؟
- لاجئٌ
وهنا
(يا واطئ....)
استطردت في ذَهَني
- لبنانُ ؟
- لا
- فلمصرَ ؟
- لا
- فإذن لجهنَّمٍ ؟
- دربي إلى اليمن
)فتناثرت طبقات ضحكته
وتساقطت كِسَفًا على حزني
ضوضاء أشياء بجوفيَ ما زالت تخيط لجثتي كفني
بدن أنا ؛ لا ظل أصلبه
ظل أنا ؛ صُلِّبتُ في بدني
باب وشباكان جمجمتي
مطر بكل منهما شجني
مطر همى"تيزابه" حُرَقًا تَنْصَبُّ في قارورة المحن
كانت يد للصمت تقلعني مني
وأخرى فيه تزرعني(
 - افتح حقيبتك ، ابتعد ، لنرى : ماذا حملتَ بجوفها ؟
-  وطني !
-  أأخذته بحقيبة ؟ ولنا ، ماذا تركتَ ؟!
-)عبادة الوثن(
قرأتها بدموع عيني وتخيلتني وأنا أحمل ذات كبرياء عُمَرَ وعزة نفسه وإحساسه الملكي الذي يؤكد لي أنني مفكر زمني وسلطان حياتي والمُنَعَّمُ على ثرى وطني أتعرض لتلك المهانة ولا أمتلك القدرة على الرد ، فحياتي ستكون الثمن ، وعلى يد من ؟ !
هنا غمرتني دموعي حتى لم أعد قادرا على إكمال قراءتي !
سأعود في وقت لاحق لأكملها حين ألتقط أنفاسي من هذا الإرهاق العُمَرِي .
فما زال في حوزتي الكثير .