الجمعة, 21 سبتمبر 2018

مقال : السياحة الداخلية.. تحديات الاستدامة

السبت 25 أغسطس 2018 10:39 م بتوقيت مسقط

◄ محافظات السلطنة تزخر بمقومات طبيعية وتراثية تدعم النمو السياحي

◄ الارتفاع المضطرد في أعداد زوار خريف صلالة يؤكد قدرتنا على توظيف الطبيعة الساحرة

◄ إستراتيجية التنمية السياحية خطوة بناءة تحتاج مزيدا من التفعيل والتطبيق في ظل المتغيرات الداخلية والخارجية

 

تَحْظَى بلادنا الحبيبة بنصيب وافر من المقوِّمات السياحية التي تمنحها فرادة لا تتوافر لكثير من دول المنطقة، فأينما يوجه السائح أو الزائر شطره في أنحاء عُمان، يجد ما يسره من مواقع سياحية؛ سواء كانت طبيعة خلابة تمتزج فيها الشواطئ مع المياه التركوازية في أحضان الجبال أو الأراضي الساحلية، أو كانت في مواقع تراثية يمتدُّ تاريخها إلى حقب زمنية سابقة؛ مما يدلُّ على عراقة وأصالة الحضارة العمانية على مر العصور.

فمن الشمال في مسندم؛ حيث المياه الصافية بصحبة الدلافين، يمكن للزائر أن يستمتع بأجواء استثنائية تسر النظر وتبهج الروح؛ لما توفره هذه المحافظة الساحلية من مناخ رائع للاستجمام، ومتنفس للأسر لقضاء أسعد الأوقات.

بينما في مسقط تتنوع السياحة الترفيهية، بين المراكز التجارية والأسواق التراثية وصالات الألعاب المخصصة للصغار والكبار، والفنادق بمختلف فئاتها، والمتاحف...وغيرها الكثير من المقوِّمات التي لا يتسع المجال لذكرها. وفي محافظتي الشرقية، شمالا وجنوبا، يمتزج جمال الريف العماني مع مسطحاته الخضراء والمزارع الشاسعة التي تقدم تجربة فريدة للسائح للتعرف على البيئة الزراعية في بلادنا، علاوة على أجواء البادية في شمال الشرقية والرمال الذهبية المتلألئة تحت أسنة الشمس الساطعة طوال العام.

وإلى محافظة الداخلية؛ حيث يقف الجبل الأخضر بشموخه ومدرجاته الخضراء العامرة بألوان من الفواكه والخضراوات والورد العماني، الذي يمثل الأساس لصناعة ماء الورد بالسلطنة، وكذلك في جبل شمس؛ حيث درجات الحرارة المنخفضة التي تقترب من العشرين درجة مئوية في فصل الصيف، والتي تصل أيضا لما دون الصفر في الشتاء، إضافة لما تتمتع به ولايات المحافظة من كُهوف تتباين فيها التجويفات الصخرية، ويتجلى فيها إبداع الخالق في التشكيلات الجيولوجية التي تبهر الزوار.

وإذا اتَّجهنا جنوبًا نحو صلالة، فإنَّ موسم الخريف يظل الأكثر شهرة في عُمان بأسرها؛ فالأجواء الخريفية لا تُضاهى، والفعاليات التراثية والترفيهية المصاحبة للمهرجان السياحي السنوي هناك تجلب السعادة للزائرين، وما يُصاحب ذلك أيضا من سياحة المؤتمرات والفعاليات التي أخذت في الازدهار خلال السنوات القليلة الماضية. ولا بد هنا من الإشارة إلى الارتفاع المضطرد في أعداد الزوار لموسم خريف صلالة، والذي بلغ أكثر من 600 ألف زائر وسائح منتصف الشهر الجاري، ولا يزال الموسم مستمرا، فضلا عن الأعداد الضخمة التي زَارت صلالة خلال إجازة عيد الأضحى المبارك؛ الأمر الذي يستوجب الاستفادة من هذه الأعداد الكبيرة الراغبة في الاستمتاع بهذا النوع من السياحة الطبيعية.

إذن، نحن أمام قطاع سياحي واعد بامتياز، لكن تبقى أهمية التخطيط لكيفية إدارة هذه المقومات بنجاح، المحك الرئيس الذي ينبغي أن تتعاطى معه مختلف أجهزة الدولة المعنية، فضلا عن القطاع الخاص المنوط به المهمة الأساسية لتطوير القطاع السياحي والاستفادة من الفرص الاقتصادية المتنوعة. وخيرا فعلت حكومتنا الرشيدة بأنْ وضعت إستراتيجية للتنمية السياحية، فضلا عن مؤشرات الأداء السياحي التي أفرزتها مختبرات "تنفيذ"، والتي تَرمِي جميعها إلى تعزيز التنويع الاقتصادي للبلاد عبر بوابة السياحة.

إنَّ الحديث عن عظم التحديات أمرٌ ماثلٌ أمامنا، ولا أدل على ذلك من التقارير الدورية التي تصدرها الجهات المعنية؛ مثل: وزارة السياحة، ووحدة دعم التنفيذ والمتابعة، والتي تشير إلى أنَّ عدم اكتمال البنى الأساسية بالقطاع وقلة رغبة المواطنين في العمل بالسياحة، ونقص الخدمات في بعض المواقع، إضافة إلى ارتفاع أسعار بعض الخدمات السياحية، لاسيما أسعار الغرف الفندقية، كلها عوامل تزيد من تحديات تطوير القطاع السياحي.

ولا شك أن استكمال المشروعات السياحية والتوسع فيها، من شأنه أن يوفر آلافا من فرص العمل لشبابنا، لكن يتعيَّن أن تتكاتف الجهود من أجل تشجيع الشباب، وتحفيزهم على الانخراط في هذا القطاع؛ فمِهَن الضيافة على سبيل المثال توفر فرصة عمل ملائمة للمواطن، لاسيما وأنَّ العماني معروف عنه حُسن الضيافة والكرم. وأيضا مِهَن الغوص والإرشاد السياحي تضع أمام شبابنا فرصا كبيرة من أجل الارتقاء الوظيفي وتحسين مصادر الدخل، هذا بجانب الوظائف الإدارية في المكاتب المغلقة، والتي برهن العمانيون فيها تفوقا في قطاعات أخرى، على رأسها قطاع المصارف وشركات التأمين ومكاتب إنجاز المعاملات.

وهنا نطرح السؤال الحتمي: كيف نُحقق استدامة السياحة في ظل التحديات القائمة؟!

الإجابة في البداية ينبغي أن تأتي من الشباب الباحث عن عمل، فهم حجر الزاوية في أي تطوير ننشده، فأول تحديات استدامة السياحة: توفير العمالة الوطنية الراغبة في أداء الوظيفة دون دوران وظيفي، لضمان استقرار النشاط. وهنا يجب على الشباب أن يغيروا من ثقافة العمل السائدة، والتي ترى في الوظيفة الحكومية الحلم المنشود، وأن يتحولوا نحو القطاع الخاص بما يوفره من مرونة في أوقات العمل ومزيد من التسهيلات الوظيفية.

القطاع الخاص مُعوّل عليه أيضًا القيام بدور رئيس فيما يتعلق بتوسيع رقعة المنشآت الفندقية في محافظات السلطنة، لاسيما التي تتميَّز بعناصر الجذب السياحي، وإقامة المجمعات الترفيهية وتقديمها بأسعار تناسب الظروف الاقتصادية للأسر. إضافة لإقامة مشروعات سياحية قادرة على استقطاب السياحة الوافدة. ومن المبشر ما نشره أحد أشهر المواقع السياحية في حجز الطيران والفنادق عن أن السلطنة سجلت أكبر ارتفاع في حركة السياحة الوافدة في الربع الأول من العام الجاري، بفضل ما حقَّقته من معدلات نمو مع ارتفاع أعداد المسافرين عبر مطار مسقط الدولي الجديد، وافتتاح عدد من المنشآت الفندقية بمسقط والمحافظات.

جانب أصيل من آليات تحقيق استدامة الحركة السياحية، أيضا، يتمثل في استمرارية الأنشطة الترويجية، وهذا العام أطلقت وزارة السياحة حملة "اكتشف عُمان"، والتي تستهدف تعريف الزائر والسائح للسلطنة بمقوماتها السياحية، لكن يظل ذلك مرهونًا بتوفير الخدمات والمرافق في المواقع السياحية، لاسيما فيما يتعلق بسياحة التخييم على الشواطئ وبالقرب من الأودية.

استدامة القطاع كذلك يُمكن تحقيقها عبر انتهاج سياسة العروض والخصومات على الإقامة الفندقية وتذاكر السفر، وتقديم البدائل المتنوعة ضمن الباقة السياحية الواحدة. وهنا نضع مقترحا بين أيدي المعنيين عن القطاع، من خلال إقامة مهرجان سياحي في الجبل الأخضر؛ بهدف جذب أكبر عدد من السياح إلى تلك البقعة الخلابة من بلادنا، في موسم الصيف الذي يَشْهَد ارتفاعا في درجات الحرارة، لكنها لا تتجاوز 25 درجة في أعلى الجبل، ويمكن خلالها تنظيم فعاليات ترفيهية على أعلى نقطة فوق سطح البحر وتقديم عروض فنية -أوبرالية أو مسرحية- وغيرها من الأنشطة السياحية، على أنْ يتم توفير وسائل نقل خاصة إلى قمة الجبل، تعمل على نقل الزوار والسياح من بركة الموز إلى الجبل الأخضر، وهذا أمر من شأنه أن يوفر فرصَ عمل متميزة لشبابنا، خاصة فئة سائقي الأجرة (التاكسي)، علاوة على توفير فرص أخرى في مشروعات تقديم الأطعمة والمشروبات في تلك المواقع.

ومع تطوُّر السياحة، وتحولها من الطابع المحلي لكونها صناعة عالمية، فإنَّ الاستعانة ببيوت خبرة عالمية سيساعد كثيرا في تجاوز التحديات المذكورة، والتعلم من تجارب الدول ذات الظروف المناخية المشابهة سيكون له الوقع الكبير على ازدهار سياحتنا، وتحقيق الأهداف المرجوة منها، خاصة على مستوى الاقتصاد وإسهام القطاع في الناتج المحلي.

... إنَّنا نؤكد دوما أنَّ بلادنا تنعم بالكثير من الفرص العظيمة التي إذا ما تمَّ توظيفها التوظيف الأمثل، فإنها ستحمل الخير للجميع، وتستفيد منها مختلف الفئات.. والقطاع السياحي واحد من أبرز القطاعات الواعدة، الذي بات ضروريا -وليس اختياريًّا- أن تتكاتف الجهود من أجل الارتقاء به، ورفع نسب مساهمته في الناتج المحلي بمعدلات مرتفعة، حتى يعود بالنفع والخير على اقتصادنا ونهضتنا المباركة.