الثلاثاء, 20 نوفمبر 2018

مقال : الأزمة في إيران

السبت 04 أغسطس 2018 06:58 م بتوقيت مسقط

 

عبيدلي العبيدلي

 

"مناطق إيرانية عديدة تشهد احتجاجات شعبية على تردي الأوضاع الاقتصادية ... هبوط العملة الوطنية وارتفاع الأسعار .... المتظاهرون يسدون الطرق أمام حركة السيارات، ويحتشدون أمام البرلمان .... الحكومة توعدت بتغييرات تشمل عددا من الوزارات لحل الأزمة .... المرشد الأعلى علي خامنئي يدعو لضرورة التصدي للفساد وجعل البلاد آمنة ...  اتخاذ الحكومة بعض الإجراءات المهدئة ... المزيد من التساؤلات حول جدوى تلك الإجراءات لتهدئة الغاضبين... المراقبون يتوقعون امتداد الاحتجاجات، بعد انتشار فيديو على تويتر يظهر اعتداء الشرطة على مُتظاهرين".

هذه الصورة، مع الاختلافات في التفاصيل، هي التي تداولتها وسائل الإعلام المتابعة للأوضاع في إيران، واختلفت التوقعات التي رافقتها، بين تلك المغرقة في التشاؤم فراحت تلمح باحتمال تحولات جذرية هيكلية في بنية النظام الإيراني وسياساته التي مارسها منذ الإطاحة بالشاه ومجيء الخميني للسلطة، وبين تلك المفرطة في تفاؤلها، والتي ترى أنَّ النظام الإيراني ما يزال يملك الكثير من الأوراق بين يديه، التي لم يستخدمها بعد، ومن أهمها الورقة الآيدولوجية، والتي تسمح له بتجاوز الأزمة، متحملاً بعض الخسائر الطفيفة المصحوبة بشيء من التنازلات الشكلية التي لا تمس جوهر السلطة القائمة ولا سياساتها المتمخضة عنها.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تجتاح إيران مثل هذه الاحتجاجات، بل ربما كان هناك ما هو أسوأ منها. ففي نهاية العام المنصرم، وكما تناقلت وسائل الإعلام، " خرج مئات الإيرانيين اعتراضا على السياسة المتحفظة التي ينتهجها الرئيس الإصلاحي، حسن روحاني... رغم رفع معظم القيود التي فرضت عليه بموجب الاتفاق العالمي الذي وقع بشأن برنامج طهران النووي". واجتاحت مدن إيران حينها احتجاجات عارمة، "اعتراضاً على ارتفاع تكلفة المعيشة والبطالة وسياسات طهران بشأن الشرق الأوسط، ولقي نحو 22 شخصاً حتفهم خلال الاحتجاجات حتى الآن".

من جانبه يجاهد النظام الإيراني،  من أجل احتواء الأزمة والالتفاف على تداعياتها السلبية المحتملة، ففي مطلع هذا العام، عرض الرئيس الإيراني، حسن روحاني، على البرلمان ميزانية حكومية متحفظة ... تعهد بموجبها على أن تعمل الحكومة على القضاء على البطالة والفقر". وكان ذلك بمثابة الاعتراف الرسمي الصريح بعمق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بإيران.

ولم يكن روحاني المسؤول الوحيد الذي اعترف بعمق الأزمة الاقتصادية وتداعيات الوضع الاقتصادي في البلاد، فها هو رئيس غرفة طهران للتجارة والصناعة والمناجم والزراعة الإيرانية، مسعود خانساري يؤكد "أن اقتصاد بلاده غير جيد، وقد خرج عن سكة الإصلاح، ولم يعد بالإمكان تحسينه، مضيفًا أن الوضع الاقتصادي في مأزق حاليًا، حتى لو أجرينا عملية جراحية كبيرة". ولربما يأتي تدهور أسعار العملة كأقوى مؤشر على عمق تلك الأزمة الاقتصادية التي تتزاحم تداعياتها كي تمس بعمق قضايا السياسية الخارجية الإيرانية، دع عنك المشروع النووي الإيراني، حيث شهد معدل صرف العملة الإيرانية تدهورا متسارعا في قيمتها أمام الدولار الذي أصبح سعره في السوق، ولأول مرة منذ سقوط الشاه 4800 تومان.

يترافق ذلك مع معدلات تضخم كبيرة، تعترف بها مؤسسات رسمية إيرانية، مثل مركز الإحصاء الإيراني، الذي أعلن في مطلع العام 2018 عن وصول نسبة التضخم إلى "6.9%، التي تعد نسبة مرتفعة، ولا تعكس توقعات الحكومة في أن يمهد رفع العقوبات الاقتصادية من انخفاض نسبة التضخم بشكل أكبر".

ولم تقتصر تلك الاحتجاجات على السياسيات الإيرانية الداخلية، بل حملت أيضًا "رسائل احتجاج أيضًا ضد بعض سياسات إيران الخارجية، فقد أظهرت بعض الفيديوهات التي بثتها بعض مواقع التواصل الاجتماعي المحسوبة على المعارضة، متظاهرين يرددون هتاف (لا غزة ولا لبنان، حياتي لإيران)، في انتقاد واضح لتركيز الحكومة الإيرانية وإنفاقها الأموال على الملفات والقضايا الإقليمية على حساب تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطن الإيراني".

هذا يضع السلطات الإيرانية، إن هي أرادت الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر الممكنة، أمام خيارات، وإجراءات، في غاية التعقيد، على المستويات الاقتصادية، والسياسية، بما فيها السياسة الخارجية، يمكن تلخيصها في الآتي:

1.   تغيير نوعي في سياساتها الإقليمية، وعلى وجه التحديد الخليجية منها. وهذا يشمل تدمير الشريط الذي بنته إيران من طهران، مرورا ببغداد ودمشق، قبل أن يحط رحاله في جنوب لبنان. فبغض النظر عن الطروحات الإيرانية التي تضع نفسها كنصير لحركة الشعوب في هذه المناطق، ومناصرة من تصنفهم في فئة "المستضعفين"، لكنها في جوهرها وصلب حركتها هي تثبيت للنفوذ الفارسي، ولا نقول الشيعي في هذه المناطق، بما يضمن له التفوق العسكري والنفوذ السياسي من جهة، ويعزز موقع إيران في محادثاتها التفاوضية مع المعسكر الغربي، بما فيه الكيان الصهيوني، من جهة ثانية.

2.   تخفيض جذري في كلفة مشروعاتها النووية التي تتضارب الأرقام الرسمية الإيرانية بشأنها، فبينما أكد الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، خلال حكمه، أن تلك الكلفة تربو على "30 مليار دولار"، نجد مساعد رئيس الوكالة الذرية الإيرانية الأسبق محمد سعيدي يخرج علينا مؤكدا ًبأن "تكلفة البرنامج النووي الإيراني أقل من ملياري دولار". ولم ينقض أكثر من عامين على هذا التصريح، حتى نفاجأ بإعلان رئيس الوكالة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي، مؤكدا "أن تكلفة تطوير محطات بوشهر وصل لـ 5 مليارات دولار، ومفاعلات وأراك تكلف مليارين ونصف المليار دولار". على صعيد آخر مستقل، أكدت مصادر استخباراتية أجنبية، في العام 2013 "أن إيران أنفقت ما يقرب من 40 مليار دولار على بناء وتطوير برنامجها النووي"، وهو أمر لم ينكره المرشد الإيراني علي خامنئي في رسالته للرئيس حسن روحاني في يناير 2016، حين اعترف بأن كلفة المشروع النووي غالية بالقول "لقد دفعنا مقابله تكاليف باهظة".

3.   تغيير راديكالي في علاقة إيران مع القوى السياسية الفاعلة في الساحة الإيرانية، سواء مع القوى الدينية من أمثال تنظيم "مجاهدي خلق"، و"منظمة مجاهدو الثورة الإسلامية"، أو الأحزاب الأخرى وهي كثيرة من أمثال "الجبهة الديمقراطية لإيران"، و"الحزب الديمقراطي الكردستاني"، وحزب "التضامن الديمقراطي الأحوازي"، و"المركز الثقافي السياسي الأذربيجاني"، و"حزب شعب بلوشستان"، و"جبهة التدبير والتنمية"، التي يترأسها محمد باقر زاده.

هذا يكشف عن جلوس النظام الإيراني على فوهة بركان، قد يبدو خامداً لكنه يغلي من الداخل، ويهدد بانفجار شديد ستتلقفه القوى الخارجية، وخاصة الغربية منها، وربما تكون نتائجه مخالفة للكثير من تحليلات النظام الإيراني والقوى المتحالفة معه، وتأتي ثمراته مفاجئة لكل من يبنون سياساتهم على استمرار النظام الإيراني على ما هو عليه اليوم.