الأحد, 23 سبتمبر 2018

مقال : السبلة العُمانية والإتيكيت

الإثنين 30 يوليو 2018 05:36 م بتوقيت مسقط

 

د. سليمان المحذوري

 

لكل أمّة عادات وتقاليد خاصة بها تميّزها عن أمم وشعوب أخرى. ولا شكّ أنّ لهذه العادات والتقاليد جذور قويّة تعود إلى مئات إن لم تكن آلاف السنين، كما أنّ لها مرجعيات ثقافية متنوعة تختلف باختلاف الشعوب ومكان سكناهم. وبالتالي فإنّ العُمانيين بحكم احتكاكهم بشعوب متنوعة عبر تاريخهم الموغل في القدم، وتفاعلهم مع حضارات متعددة على مرّ السنين كوّنوا لهم عادات وتقاليد خاصة بهم يعرفون بها عمن سواهم، وقد تختلف أو تتشابه مع المجتمعات الأخرى مع وضوح المرجعية العربية والإسلاميّة فيها.

ومما لفت انتباهي العادات والتقاليد المرتبطة بالسبلة العُمانية. والسبلة أو المجلس هي المكان الذي يلتقي فيه الرجال، وعادةً ما تكون في كل قرية ومدينة عُمانية. وعددها يعتمد على عدد السكان القاطنين في المنطقة، إضافة إلى التنوع القبلي أحيانًا. فالسبلة تُعتبر مدرسة للرجال فيها يشبّ الغلمان؛ حيث يبدأ الأطفال في مراحل أعمارهم المتأخرة بالجلوس إلى الرجال، والاستماع إلى أحاديثهم وما يدور في مجالسهم، وبالتالي تعلم بشكل تلقائي عادات وتقاليد المجتمع المتوارثة والتي أسميها – إن جاز لي ذلك – تعلم فنون الإتيكيت العُماني.

يُشير موقع ويكبيديا إلى أنّ كلمة "إتكييت" Etiquette هي كلمة فرنسيّة الأصل، ويقابلها في اللغة العربية "الذوق". حيث يُعنى هذا المفهوم "بالسلوكيات، والآداب، والنظم، والقواعد التي تساهم بصورة مباشرة في خلق حالة من النظام المقبول للعديد من التصرفات والسلوكيات البشرية، بما في ذلك السلوكيات الاجتماعية، والمهنية، والتي لا يتمّ محاسبة الأفراد غير الملتزمين بها قانونياً، ولكنّهم قد يتعرضون للرفض من الناحية الاجتماعية، وضمن الجماعة التي ينتمون إليها". كما يندرج الإيتيكيت تحت بند" السلوكيات المفروضة عُرفاً، ويُعتبر بمثابة الدليل الذي يقدم القواعد التي يجب الالتزام بها خلال التعامل مع الآخرين"؛ على سبيل المثال آداب التحية والسلوكيات المرتبطة بتناول الطعام ونحو ذلك. وبالعودة إلى السبلة العُمانية الآنفة الذكر والعادات والتقاليد المرتبطة بها أجد أنّ لها قواعد "إتيكيت" غاية في الرقي والتهذيب يحرض العُمانيون على الالتزام بها بشكل مُلاحظ. مثال ذلك عند دخول ضيف أو أحد أفراد المجتمع إلى السبلة لا بد من وقوف جميع الحضور للسلام عليه؛ حيث يسلّم الشخص بالتحية الإسلامية المعتادة "السلام عليكم" ثم يبدأ مصافحة الحضور من جهة اليمين حتى ينتهي بآخر فرد من الحضور خاصة إن كان العدد كثيرًا، وإن كان العدد قليلًا يمكن أن يبدأ السلام بصدر المجلس مع كبار السن، ومن على يمينهم يكمل سلامه على بقية الحضور. ثمّ يأخذ مكانه بالجلوس في السبلة ويقدّم إلى صدر المجلس إن كان القادم ضيفًا. وحتى طريقة الجلوس لها آداب خاصة فقبل أن تدخل الكراسي والأرائك في المجالس العُمانية كان الجلوس على فرش موضوعة على الأرض، وبالتالي فإنّ وضعية الجلوس تكون عادة بثني إحدى الرجلين والجلوس على الأخرى، أمّا جلسة القرفصاء فهي غير مستحبة في مجالس الرجال.

بعد ذلك يأتي دور "أخذ العلوم والأخبار" أو المناشدة؛ وهي عادة عُمانية متأصلة في كل محافظات السلطنة تقريبًا؛ هذه العادة المتوارثة ولدت في زمن لم تكن فيه وسائل الاتصالات معروفة، ومن ثم فإنّ قدوم شخص من مكان ما كان ينبئ بأنّ لديه علوم وأخبار جديدة فرحًا أو ترحًا أو نحو ذلك. في بعض محافظات السلطنة تُؤخذ العلوم والأخبار قبل القهوة على اعتبار أنّ القادم يحمل أخبارًا مهمة لا يُحتمل تأجيلها، وفي بعض المحافظات تُؤخذ بعد تناول القهوة على اعتبار أنّ يُترك القادم ليستريح قليلًا من عناء السفر وبعدها ينظر في أمره. وبالنسبة لصبّ القهوة هي الأخرى لها سلوكيات متعارف عليها؛ عادة يسبقها تناول بعض الفواكه ثم التمر أو الحلوى العمانية. بعد ذلك تصبّ القهوة عادةً في ثلاثة فناجين سيما إذا كان عدد الحضور قليلًا، إذ تسند هذه المهمة في الأغلب للشبان أو الأصغر سنًا؛ فيمسك الشاب دلة القهوة بيساره والفناجين بيمينه ثم يبدأ بالضيف أولًا أو كبار السن بعدها يمرّ على بقية الحضور.

وبعد انتهاء شرب القهوة إنّ كان وقت الضيف يسمح يدعى إلى وجبة غداء أو عشاء حسب وقت وصوله؛ مع التشديد على ذلك وربما المبيت خاصة عندما كانت وسائل المواصلات صعبة. وعند استئذان الضيف عادةً يتوجه إلى صدر المجلس لطلب الإذن بالمغادرة وهنا يقف الحضور مرة أخرى ولا يلزم بمصافحة جميع الحضور عند الخروج بل يكتفى بمصافحة من في صدر المجلس.

هذه لمحة سريعة عن جانب من "الإتيكيت" العُماني المتبع في السبلة العمانية وبعض آداب السلوكيات المرتبطة بها والتي قد تختلف اختلافا طفيفًا بين منطقة عُمانية وأخرى، ولكن في مجملها تبقى متشابهة على نحو كبير، كما أنه بكل تأكيد لا يمكن استقصاء جميع عاداتنا وتقاليدنا في مقالة واحدة، لتبقى هذه العادات والتقاليد سيما الحسنة منها تورّث من جيل إلى آخر وتبقى سمة وعلامة فارقة للعُمانيين ربما مع شيء من التشابه مع المجتمعات العربية الأخرى.

[email protected]