الثلاثاء, 13 نوفمبر 2018

مقال : المزارع الكيماوية والطبيعة المنسية

السبت 07 يوليو 2018 09:23 م بتوقيت مسقط

مسعود الحمداني

كلما ضاقت علينا الحياة، وكثُرت الأمراض لجأنا إلى الطبيعة، نأخذ منها طعامنا، وشرابنا، غير أن هذه الطبيعة ما عادت كما عهدناها، لقد أضاف إليها الإنسان من "لمساته"، فعلى طول البلاد وعرضها يقوم المزارعون برش مبيدات محرمة دوليا لكي يحصلوا على منتوج وفير، وربح سريع، بتكاليف زهيدة ماديا، ولكنها مكلفة صحيا وإنسانيا، لم تجد الحملات الحكومية نفعا في درء هذه الآفة التي طرأت على كثير من مزارعنا في كل أنحاء البلاد.

فمن يرى محصولا كثيرا من الخضراوات والفواكه -سواء المحلية أو غير المحلية- يدرك مدى الضرر الذي تعرضت له التربة، والمزروعات معا، فكثير من المزارع المستأجرة من قبل عمالة وافدة تستخدم المبيدات الكيماوية غير المصرح بها، غير عابئة بصحة عامة أو خاصة، وضاربة بتعليمات وإرشادات الحكومة عرض الحائط، وتاركة خلفها أرضا بورا لا تصلح للزراعة، ولا يستفيد منها المواطن فيما بعد، وبذلك تموت الأرض، ويفسد الزرع، وتخلِّف وراءها آثارا صحية ومادية وبيئية غير محدودة.

إنَّ اللجوء للطبيعة لم يعد مجديا كما نتوهم، وربما لم تعد الثقة قائمة بين المزروعات وبين الناس، لأن ما يحصل عليه المستهلكون ليس هو الشيء الذي يتمنونه، فمعظم المنتوجات الغذائية سواء الزراعية أو الحيوانية دخلت فيها عناصر كيميائية ضارة بالصحة، ومدمرة للبيئة، فالدجاج مثلا لم يعد يمر بمراحله الفسيولوجية الطبيعية، بل يقوم المزارع بحرق المراحل السنية لتلك الدواجن، من خلال مواد التسمين والهرمونات والتي تتسبب في مشاكل صحية للإنسان على المدى البعيد أو القريب أحيانا، وهذا الأمر ينسحب على الحيوانات والطيور الحية القابلة للأكل، حتى غدا الواحد منا عبارة عن كتل لحمية تسير على رجلين، لكنها كتل محملّة بالكثير من الأمراض والأوبئة التي نتجت عن المواد المغذية والمسمنّة لهذه الحيوانات، لذلك تجد المستشفيات ملأى بالمرضى الذين لا يعلمون مصدر أمراضهم، رغم أنهم يتناولون وجبات (صحية) كما يعتقدون، بينما هم في الواقع يتناولون وجبات لم تنمُ بشكل طبيعي، وأضيفت لها مواد كيماوية ضارة تؤثر على أجهزة الجسم المختلفة، وقد تكون موادَ مسرطنة لا يعلمون عنها شيئا.

إنَّ العودة للطبيعة أمر في غاية الأهمية، ولكن يجب أن يكون ذلك تحت إشراف شخصي وصحي ومباشر من المستهلك، وأن تعطى تلك المنتوجات النباتية والحيوانية وقتها ودورتها للحياة دون إضافات تسرّع من النضج أو النمو، ويمكن للأفراد أن يستغلوا مساحة من منازلهم لزراعة بعض المنتوجات الخضرية، أو أن يقوموا بتربية الدواجن والحيوانات في مزارعهم لمن يملك مزرعة، أو أن يقوم القطاع الخاص المستثمر والمستأجر للمزارع الحكومية بعمل مزارع نموذجية صحية لا تتدخل فيها المواد غير الطبيعية، ولا تُستخدم فيها مواد التسمين الحديثة، سريعة التأثير على المنتج أو الصحة العامة. عندها ولا شك، سنشاهد تراجعا في أمراض السرطان وأمراض الكبد والمعدة التي تعج بها المستشفيات، وتكلف الدولة مبالغ باهظة لا تتناسب والسياسة الصحية التي تنشدها الحكومة والمجتمع.

لقد أنهك الإنسان الطبيعة وحان الوقت للاعتذار لها، وتقديم الأفضل للأجيال القادمة، ولتربة الوطن التي فقدت الكثير من خصوبتها، وبراءتها بسبب المبيدات الكيماوية الضارة حد الموت.

[email protected]