الخميس, 16 أغسطس 2018

حقوق الآباء والأبناء في الشريعة

الثلاثاء 12 يونيو 2018 05:54 م بتوقيت مسقط

حقوق الآباء والأبناء في الشريعة

 

 

د.صالح الحوسني

راعت الشريعة المطهرة علاقة ذوي القربى وأكدت على ضرورة حسن التعامل فيما بينهم، وخصت بالذكر علاقة الآباء بالأبناء، حتى تظل الأسرة متماسكة متآلفة يقوم كل فرد بحقه وواجبه، ولا يغفل له الآخرون ما له من حقوق، ذلك لأن الأب والأم هما حجر الأساس في بناء الأسرة، فهما سبب لوجود الإنسان.

والأم هي أقرب شخص للإنسان؛ فهي من حملت صغيرها بين أحشائها، وغذته من دمها، وحنت عليه بفؤادها، وسهرت على تربيته، والقيام بشؤونه وخدمته، والأب كذلك هو الباذل المضحي الذي ينفق من ماله وجهده ووقته لأجل العناية بولده، فلذا كان حق الوالدين عظيما أكد عليه الكتاب العزيز في أكثر من موضع منها قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا)، ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: "بروا آباءكم تبركم أبناؤكم"، ولذا كان لزاما على الأبناء مراعاة حقوق الوالدين والتي منها: الإحسان إليهما والاهتمام بهما، وتلبية احتياجاتهما، وعولهما إن كانا عاجزين، ومصاحبتهما في الدنيا معروفا حتى وإن كانا على غير الإسلام، وعدم إيذاؤهما بما يكرهان من القول أو الفعل أو غيره، وإنما يسمعهما القول الطيب، ويريهما الفعل الجميل كما قال تعال: (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما).

ولعظم حق الوالدين نجد بأن برهما يتعدى حياتهما إلى ما بعد الوفاة كالمسارعة إلى قضاء ديونهما وتنفيذ وصيتهما، والدعاء لهما بالخير، والصدقة عنهما، وصلة أرحامهما، وإكرام صديقهما ونحو ذلك من وجوه الخير والبر التي جاء التنصيص عليها في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ولأجل ذلك كان عقوق الوالدين من أعظم الكبائر كما جاء في الحديث الشريف، وحرم الإسلام التأفف عندهما كما قال تعالى: "فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما"، والأمر أعظم في هجرهما كما في الحديث: "من هاجر أحد والديه ساعة من نهار كان من أهل النار إلا أن يتوب"، كما انه يحرم سبهما أو التسبب في سب الآخرين لهم، وهو ما عناه الرسول الكريم بقول حين قال: "من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال: نعم؛ يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه"، ولخطورة عقوق الوالدين جاء الوعيد بحرمان دخول الجنة للعاق، فقد قال صلوات الله عليه وسلامه: "لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر".

وإن كان للوالدين هذا الحق العظيم من البر والإحسان وخاصة الأم التي هي أعظم حقا من الأب لسابق فضلها، وكبير دورها، فإنه في المقابل لا بد وأن يقوم الوالدان بدورهما من التربية والتنشئة الصالحة والتي إن أسست على الخير أعانت الأبناء على بر آبائهم والإحسان إليهم بعد كبرهم.

ومن واجبات الآباء نحو أبنائهم إثبات النسب إليه، فنسب الإنسان مصدر عزة وكرامة له في المجتمع، ويبعد عنه قالة السوء والتهمة التي تسبب الهموم والخزي والعار للإنسان، ومن هنا فقد حرّم الإسلام التبني، والذي هو نسبة الأبناء إلى غير آبائهم، كما قال تعالى: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ادعوهم لإبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا أبائهم فإخوانكم في الدين ومواليكم"،  ويثبت نسبه لأمه بمجرد ولادته منها ويكون لتلك الأم الصلة والإحسان لا فرق بين كونه ولدا من علاقة مشروعة أو غير مشروعة، وأما الأب فيثبت نسبه إليه ما  دامت المرأة قد حملت به بعد زواجها من الرجل بزواج شرعي.

ومن حق الأبناء على آبائهم الإرضاع، وهذا الأمر متوجه للوالدين، كما قال تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، ومن المعلوم طبيا أنه لا يوجد غذاء أفضل من لبن الأم في مناسبته وقيمته الغذائية، ودوره الكبير في تقوية مناعة الطفل، وقد يتعين على الأم إرضاع طفلها إن كان لا يوجد من تقبل إرضاعه، أو إن لم يقبل الطفل غيرها، أو عجز الأب عن دفع أجرة الرضاع، وفي المقابل يمكن للأم أن تتنازل عن هذا الحق للمراة الأجنبية، أما إن تمسكت به فهي أحق به من غيرها.

ومن حقوق الابن الحضانة، وهو حق ثابت للأم، بدليل ما جاء أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثدي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني، فقال صلى الله عليه وسلم: "أنت أحق به ما لم تنكحي"، وبالتالي فالأم هي أحق بالحضانة عند انفصالها من أبيه مع استحقاقها أجرة الحضانة.

ومن حقوق الابن على أبيه النفقة الواجبة، كما بين ذلك الكتاب العزيز في قوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، وتقدر هذه النفقة بما يحتاجه الابن من طعام وكسوة ونفقة مختلفة، وما يندرج تحت ذلك من ضرورات الحياة المختلفة.