الخميس, 15 نوفمبر 2018

مقال : مساحة غير قابلة للمرور

الثلاثاء 24 أبريل 2018 06:09 م بتوقيت مسقط

مدرين المكتومية

هناك أماكن نختار الهرب إليها حين تضيق بنا تلك الزوايا المعتادة والشخوص ذاتها، نشعر بالاختناق من كل شيء حولنا حتى وإن كان شيئًا نُحبه وقاتلنا لأجله لسنوات طوال، لكننا نصل لمرحلة من الروتين القاتل في كل شيء، وتبدأ الرتابة تقتل ما تبقى من صبر؛ حينها لا تعود الأماكن هي الأماكن ولا الزوايا هي الزوايا، وتتشابه الوجوه على اختلافها وفي كثير من الأحيان يصل بنا الأمر لفقدان ثقتنا بأنفسنا وطاقتنا في تحمل ما نمر به من مزاجية مفرطة. حينها يصبح لقرار الرحيل والهرب جدوى لاستعادة ثقتنا بأنفسنا من جديد.

اعتدت أن أرحل إلى أماكن وحيدة أجر خلفي ما تبقى لي من أمل وما أحب من أشياء بسيطة.. زجاجة عطر تذكرني بأحدهم، ومرآة تجعلني أرى الاختلافات التي تطرأ على ملامحي، وأيضا لا أنسي أن أحمل معي كتابا صغيرا يسامر غربتي مع هاتفي الذي لا استغني عنه، فكل ما يبقى لي هو تلك الأيقونة البسيطة "ملاحظات" لأسطر عبرها أحاسيس تجتاحني وأخرى تستفز أناملي لتكتب وغيرها من الأفكار التي تتقافز في مخيلتي الصغيرة بحثا عن شيء ما يجعلها تصبح واقعا ملموسا.

في الحقيقة فكرة الرحيل كما فكرة الكتابة بالضبط هي هروب من واقع معاش لآخر نختاره بأنفسنا، لربما نسجل فيه انتصارات صعب تحقيقها في الواقع، ولربما هي أيضا مسألة تتعلق بالبحث عن أنفسنا أو ما يدور في دواخلنا، وقد يكون الأمر بعيدا عن ذلك ويقتصر على فكرة تغيير الشخوص والملامح والأزمنة وأماكن الحياة المعتادة لأخرى نخوض فيها تجارب ومغامرات أخرى تجعلنا نشعر بجمال الحياة أكثر من تلك التي تعودناها.

أن نمتلك قدرة الخيار هذا أمر عظيم جدا، وهو أيضا مسؤولية تحتاج منا لقدرة على معرفة قيمتها، وفي كل الأحوال نحن بحاجة لأن نتخذ قرارات لا يتدخل فيها أي طرف لأنها شيء يعود لنا في النهاية، وعندما يتعلق القرار بالرحيل لمكان بعيد لا نمتلك فيه سوى غرباء يعيشون تقلبات تفوق تقلبات حياتنا فهذا يجعلنا نشعر على الأقل بقيمة تلك الأمور، التي جعلتنا نهرب وننفر من روتينها ونشعر بامتنان امتلاكها مهما كانت وستكون.

ليس من المحزن أن يقرر أحدنا الهرب وليس من الشفقة أن ننظر إلى رحيله وكأنها هرب من معاناة بل علينا أن نؤمن أن لكل شخص طقوسه الخاصة، وهناك مساحة من الخصوصية يحتاج لأن يعيشها مع نفسه دون أن يشرك أحدًا فيها أو أن يتقاسمها مع أصدقائه، فالإنسان منا يحتاج أن يرحل لنفسه ويبتعد عن كل من يحبهم وكل من لا يحبهم، فهناك أناس يعيشون الحياة ويستمتعون بأزمنتها التي لا يعرفونها ويحلمون بلقاء أشخاص رسمتهم لهم مخيلاتهم، فالهرب يعني أنّ هناك فرصة للقاء تلك الشخصيات والتعثر بهم في لحظات الهرب المستمرة، أن يعيش الشخص هذه التفاصيل فيعني أنه وصل مرحلة من العمر نضج فيها لدرجة أنّه وجد الحياة أجمل وأفضل وأكثر رحابة؛ وهو يتقاسم لحظاتها بين واقعه وبين أحلامه التي يسعى لتحقيقها وإيجادها.

تلك الحياة تسوق صاحبها لأن يجد نفسه متفردا واستثنائيا لأنه يعتقد أنّ تشبعه بالحياة وارتباطه بالبساطة أمر أجمل بكثير من تلك الشكليات الزائفة، وأنّ هربه من الواقع هو حل لكسر روتينه الممل ورتابة الأيام التي يعيشها، وعندما يحلم بلقاء غير عادي فهذا يعني أنّه اكتفى من تلك الأقنعة والوجوه التي اعتاد أن تشاركه الحياة بشكل قاتل. وإذا ما قرر أحد نعرفه الرحيل للبعيد علينا أن نقف معه ونتفهمه، لأنّه لم يقرر الرحيل من فراغ بل لأنّه وصل لمرحلة وجد نفسه فيها غير قادر على المقاومة، ويجب أن يرحل لأماكن وأزمنة بعيدة عن تلك التي عاشها ويعايشها، فالسفر لفترة هو الحل الوحيد ليعيد حيويته، والعودة لحياته الطبيعية من جديد.

دعونا نتفق على أنّ لكل منّا مساحته التي لا يود من أي كائن كان أن يقفز إليه فيها، أو أن يعبر حدودها. لذلك دعونا نهرب دائمًا بأنفسنا إلى حيث نكتشف دواخلنا وذواتنا بعيدا عن المؤثرات الخارجية، ودعونا نحترم من يفعل ذلك أيضا.