الجمعة, 21 سبتمبر 2018

مبادرة الرؤية بين يدي بُناة المستقبل

مكتبة السندباد.. حكايات تنثر النور على طريق الغد

الثلاثاء 17 أبريل 2018 08:31 م بتوقيت مسقط

2
1
30714262_10155969473394473_4878752419242049536_n
30715705_10155969553424473_1920802897684070400_n
30727345_10155969474594473_2344445449420668928_n
30729806_10155969472744473_1050636055293722624_n
Da4qP5YW4AA4xIV
Da5JCzrWkAEgZEh
Da5JCztWkAAQDS-
Da4qP5OXcAAZwK9
Da5JCzzX0AAXzy2
DObV3z-XkAAB9ej
DakBJqRXcAA3Eti
DRd-CzNXcAAmoD_
DWyI23mWsAA7nrO
DY_M7w-WkAAmZJx
DZPFxRJWkAEVAK4
DR6CqlrXkAIvmj1
thumb.php
DZvop43XUAEUAch

 

الرؤية - خالد أحمد

هي مهمة قد تبدو من الخارج صعبة ومرهقة، ومسؤولية كبيرة إلا أنّك عندما تدلف من باب المكتبة وتحتضنك نظرات الأطفال تتطلع إليك بانتظار ما ستسفر عنه الزيارة، ثمّ تبدأ حروف الكلام تتناغم على ألسنتهم وهم يتحلّقون حول قصّة أو يستمعون إلى جلسة قرائية، ستدرك كم هي مُهمّة ممتعة ومحببة، ترسم على جدار الروح أشكالاً من البهجة مثل ألوانهم التي تتراقص على صفحات دفتر الرسم فتشيع في القلب فرحة وتغدو على الوجه ابتسامة.

منذ البداية عقدنا العزم على أن تكون مبادرة الرؤية لأطفال المدارس مختلفة، تركز على نثر نور المعرفة بين ربوع القرى والولايات، من مدرسة إلى مدرسة ومن محافظة إلى أخرى، رحنا نجوب البلاد بطولها وعرضها، نحمل كُتباً وقصصاً ومعلومات، نتلمس طريقنا وسط عقول وقلوب خضراء ترنو ببصرها نحو مستقبل حالم سعيد، نجلس معهم ونقرأ لهم ونستمع إليهم ونصفق سويًا وتعلو ضحكات الفرحة بالانتصار.

ومن انتصار إلى آخر نواجه طوفانا من الحب والفرحة بمستقبل أبنائنا، نزور المدارس ونشارك في الفعاليات، ونزيد ألقا وشرفا بلقاء الأطفال المكفوفين في معهد عمر بن الخطاب، وندرك كم هم مهتمون ومُحبون للقراءة، لديهم قدرة فائقة على التخيل، والإمساك بأطراف الحكايات، كما نتشرّف بلقاء الأطفال أبناء جمعية رعاية المعاقين، وتفاجئنا قدراتهم ورهافة أحاسيسهم وقدرتهم على الاستيعاب.

 

الحقيقة الناصعة

لا تقتصر مهمتنا على القراءة للأطفال وإهدائهم بعض الكتب المفيدة، بل نعتبر أنّ تلك الرحلة التي نذهب فيها إليهم متعددة المهام، وفرصة لا ندعها تفلت من بين أيدينا قبل أن نستثمر كل لحظة فيها، ونقترب من أطفالنا ونرسم على صفحاتهم البيضاء ما نعتقد أنّه مفيد لمستقبلهم.. هذه الحقيقة الناصعة كما نراها.

هكذا تقول بثينة الفورية، رسول المكتبة إلى القرى والولايات ومرشد المبادرة للطلبة والطالبات، والتي أمضت سنوات تذهب إلى مختلف الأماكن، بصحبة مكتبة السندباد المتنقلة وكنوز المعرفة فيها، تكتسب كل يوم خبرات جديدة في كيفية التعامل مع الطفل وكسب وده والحصول على بعض اهتمامه، ووضع طرف الخيط في يده كي يكمل بمساعدة معلميه وأسرته السير نحو الغد بوعي وبإدراك وشغف للقراءة والعلم.

تروي بثينة كيف قضت ليلتها خائفة قبل أن تذهب صباح اليوم التالي إلى معهد عمر بن الخطاب للمكفوفين، كيف حاولت أن تتقن كل مهارات التحدث إلى أطفال محرومين من نعمة البصر، وكيف تحببهم في القراءة والمعرفة، سهرت تراجع دروس يوتيوب وتقرأ كيفما استطاعت عن التعامل مع المكفوفين.. اختارت لهم بعض القصص، ومن ثم توجهت إلى السيب وقلبها يرتعش خوفاً من تجربة تشعر أنّها شديدة الصعوبة.

تقول: عندما دخلت إليهم كنت قد عقدت العزم على أن أصطحبهم في رحلة للقراءة بشكل مختلف، فالخيال عند الكفيف أوسع وأكثر رحابة من الإنسان العادي، كذلك حاسة السمع واللمس، لأدرك حينها أنّ القراءة لكفيف أكثر متعة وعمقاً من القراءة لطفل مبصر، بعدما أدركت كيف يبذل الواحد منهم جهداً ليقرأ قليلاً من السطور بطريقة برايل، ليصبح الحرف بالنسبة له شيء له قداسة وقيمة، وكيف يقدر ويثمن من يستطيع أن يصل إلى عمق خياله ووعيه بالحكاية.

 

حيوانات سعيدة!!

 

تكمل بثينة: اخترت أن اقرأ لهم قصة (ما فائدة أن يكون لي صديق)..

كان بطل القصة حمار، وهذا ما دفعني في البداية لأطلب منهم أن نشارك جميعًا في تقليد أصوات حيوانات نحبها، وضحكنا ورقصت قلوبنا فرحاً ونحن نكرر المحاولات ونصدر أصوات حيوانات سعيدة تضحك وتضحك.. ثم طلبت من كل منهم أن يخبرني من هو أقرب أصدقائه إلى قلبه ولماذا؟

في منتصف الوقت صرت طفلة في عمرهم وبحجم فرحتهم وإقبالهم على الدنيا، وكنت على يقين أنني استمتعت أكثر منهم، وحرصت آخر اليوم أن يصلهم إحساسي بالامتنان والرضا عن هذا اليوم، وكل لحظة قضيتها إلى جوارهم وكم استفدت، وتركتهم وقد رسمنا جميعا دوائر نور نخطو منها إلى عوالم المستقبل الأكثر رحابة وجمالا.

قبل أن أودعهم كنت قد حفظت أسماءهم جميعاً، ولا أنسى الجميلة حوّاء وهي تودعني وتقبلني وتخبرني أنها لن تنساني، وأنها تريد أن نلتقي مرة ومرات.

 

 

الصعود على الدرج

 

القراءة تشبه الصعود على الدرج، الذي يقودك إلى طاقات النور، مثل خيوط تمسك بها حتى ترشدك إلى بوابات النجاح والمعرفة..

كان (م) الطالب في إحدى مدارس التعليم الأساسي المرحلة الأولى، يجلس منزوياً بعيداً عن أقرانه، بدا وحيداً غير مهتم بما نفعل، لا يريد مشاركة زملائه في الاستماع أو الإجابة عن الأسئلة، ولمّا سألته - تروي بثينة - لم يرد، وقال بعض زملائه أنّه فاشل وغير متجاوب في الدراسة، فطويت القصة التي كنت أقرأ فيها جانباً وظللت أحدثهم لبعض الوقت عن أهمية احترام الآخر، حتى اعتذروا لزميلهم الذي دعوته إلى الاقتراب والإمساك بالقصة وأن يقرأ منها ما تيسر له.

تلعثم في البداية، وأجهده تجميع الحروف..

ثم أكمل وتلعثم وتعثر.. وأكمل نطق جملة واحدة.. وبعد أن صفق له زملاؤه أكمل قراءة الصفحة مرة ومرات بتمكن أكبر..

واستحق جائزة والمزيد من التصفيق. عزمت على أن أعود لزيارته وأن أهمس في أذن معلماته ألا يتركنه بعيداً عن زملائه بل يجتهدن من أجل دمجه بينهم وتشجيعه، وكنت على يقين أنّه وضع يده على أول درجة من درجات السلم وسيُكمل الصعود بالقليل من التشجيع، فالقراءة تمنحنا القوة وتفتح طاقات النور أمام خطواتنا حتى لو تعثرنا..

وهي أيضاً تدفعنا لأن نكتشف في دواخلنا كنوزاً لم نكن ندرك وجودها أو قيمتها، فما أكثر الزيارات التي تنتهي باستخراج الكثير من المهارات والمواهب من الأطفال بعد تشجيعهم وتعويدهم على مصادقة الكتاب.

 

المكتبة.. الحلم

 

نبي طابعات تطبع قصص.. نبي مال فضاء في المكتبة.. ألوان نرسم.. كتب وااايد.. قصص وحكايات وعلوم وألغاز ومسابقات.. كراسي.. طاولات.

هذه كانت بعض من إجابات طلاب مدرسة النماء في صحم، عندما سألناهم عن حلم المكتبة أو "المكتبة الحلم" إذا صار عندنا مكتبة كيف تريدون أن تكون؟؟

أحلامهم ليست عبثاً بل شديدة الأهمية، يجب أن نسعى بكل عزم لتحقيقها في أسرع وقت، خاصة عندما نعرف أن أعمارهم جميعاً لم تتجاوز 7 سنوات.

 

في مدرسة الخالد بن حارث بالعامرات سألنا الأطفال: ماذا يحتاج القارئ؟ وكانت ردودهم كالتالي:

عمير المحذوري: مكتبة كبيرة بها الكثير من الكتب.

أنس الدروشي: مكتبة شاملة لكل المعارف والعلوم من كل دول العالم.

محمد المعشري: أن يقام مهرجان ثقافي ومسابقات للقراءة.

أمجد السعيدي: شراء الكثير من الكتب للطلاب بعد التعرّف على رغباتهم وماذا يحبون للقراءة.

وفي زيارة لمدرسة أخرى، كنا نقرأ قصة (الهدية الصغيرة) وكان أحد أبطالها طفل أصم، وتطرّقنا إلى بعض المفاهيم وضرورة عدم التسرع في الحكم على الآخرين كما تقول القصة، وتحدثنا عن عالم الصم ومعاناتهم إذا لم يجدوا من يتفهمهم ويقدر ظروفهم ويساعدهم على الإندماج في المجتمع.

إحدى البنات طلبت أن تتحدث؛ فروت أنّ والدها أصم، وكيف تعلّمت لغة الإشارة هي وإخوتها كي يستطيعوا التحدث معه لأطول وقت ممكن، وأنّ الأمر صار سهلا ولا أحد يلاحظ كونه أصمًّا..

بعدها تداعت الأسئلة من زميلاتها وزملائها في حوار طويل وهي تجيب عن كل التساؤلات في سعادة.

معنا الكثير من التجارب الإنسانية، بدأت بقناعة لدينا أننا سنذهب لنعلم الأطفال ونقرأ لهم ونحببهم في الثقافة والعلم، إلا أننا بعد نهاية كل زيارة نكتشف أننا استفدنا أكثر، وأننا بحاجة إلى أن نشرك المجتمع كله معنا ليدرك أهمية أن يُحظى كل طالب بفرص متعددة لكي يقرأ ويقرأ.