السبت, 22 سبتمبر 2018

من أمبرتو إيكو إلى يوسف زيدان:

هل تضوّعت عزازيل بأريج اسم الوردة؟

الثلاثاء 10 أبريل 2018 08:43 ص بتوقيت مسقط

هل تضوّعت عزازيل بأريج اسم الوردة؟


أ.د/ يوسف حطيني – أديب ونقاد فلسطيني – جامعة الإمارات


نقف في السطور التاية إزاء روايتين نالتا حظّاً وافراً من الشهرة التي تجاوزت بلديهما إلى العالم كلّه، وترجمتا إلى العديد من اللغات: الأولى رواية "اسم الوردة" (1980) للكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو(1)، والثانية رواية "عزازيل" (2008) للمصري يوسف زيدان(2)، ذلك أنّ بينهما كثيراً من المشتركات التي تلفت نظر القارئ.
وإذا كان النقد قد توجه بشكل عام إلى عقد بعض المقارنات بين "عزازيل" يوسف زيدان، و"ِشيفرة دافنشي" للأمريكي دان بروان، فإنّه يبدو لنا من الأولى عقد تلك المقارنات بين "عزازيل" واسم الوردة، ذلك أنّ التشابهات التي تثير شهية المقارنة لا تقتصر على المضمون، بل تتعداه إلى الشكل أيضاً.
*          *          *
على صعيد الموضوع تناقش كلّ من الروايتين الخلافات داخل منظومة الفكر الكنسي، وما بني عليه من مناقشات تملأ صفحات الروايتين، وما رافقه من عنف بلغ حدود قتل؛ فقد خاضت شخصيات إيكو كثيراً من المناقشات التي تجسّد تلك الخلافات، وحسبنا أن نشير إلى أنّ المؤلف قد عقد فصلاً من روايته لمناقشة أخوية حول فقر المسيح (يُنظر: مطلع اليوم الخامس: أولى: ص ص 367-380).
وبالإضافة إلى أجواء الرعب الذي تثيره هذه الرواية البوليسية في أحد وجوهها، فإننا نشهد عدداً من مشاهد العنف والقتل، حيث تمتد سلسلة قتلى الدير وفقاً للحبكة البوليسية المثيرة من أدالمو إلى فيناسيو إلى برينغاريوإلى ملاخي.. كما تمتد إلى زمن استرجاع الشخصيات، لتروي مشاهد قاسية لإحراق دولتشينو ومارغريت بعد تقطيع أوصال مرغريتا قبل إحراقها، ومشهداً لقطع أنف دواتشينو وخصيتيه بكلابات حامية (418-419)، ومشهداً آخر لإحراق ميكيلي (265 و266) ولإعدام الآلاف من أتباع دولتشينو دون رحمة، بدعوى الهرطقة.
وبالمقابل فإنّ رواية "عزازيل"التي تدور أحداثها في القرن الخامس الميلادي ما بين صعيد مصر والإسكندرية وشمال سوريا، عقب تبني الإمبراطورية الرومانية للمسيحية ، تناقش الصراع المذهبي الداخلي بين آباء الكنيسة من ناحية، والمؤمنين الجدد والوثنية المتراجعة من جهة ثانية، وتناقش الخلافات اللاهوتية القديمة حول طبيعة المسيح ووضع السيدة العذراء، وتنتصر لأفكار هيبا الذي يدعو إلى الإيمان بالإله الواحد، لأنه يعتقد أنَّ "الديانة الحقّة واحدة، ولها أصل واحد" (ص170)، ويرى أنّ "الآلهة على اختلافها، لا تكون في المعابد والهياكل والأبنية، وإنما تحيا في قلوب الناس المؤمنين بها" (ص194).
والرواية لا تخلو أيضاً من مشاهد العنف، بدءاً من مقتل والد الراهب هيبا في أخميم، مما يدفعه إلى الهرب، وبداية رحلته ورحلة الرواية، التي تكشف وجهاً من أوجه التشدد الديني، حيث تلاحق الكنيسة العلماء والمفكّرين، وتستهدف هيباتيا التي تلقي محاضرات في الرياضيات، وتحرّض الناس ضدّها، فتقوم الجماهير الهائجة بقتلها، وقتل أوكتافيا التي تدافع عنها. في مشاهد مريعة (ص152 وما بعدها).
وتتفق الروايتان بشكل عام في الدعوة إلى تمجيد الله، وتمجيد الخير، والدعوة إلى الحبّ، ورفض العنف، والانتصار للفكر الحرّ الذي يلاحقه التطرف الفكري، بحجة المحافظة على جوهر الدين وصفائه.
*          *          *
في التكنيك الروائي تعدّ رواية أمبرتو إيكو آية من آيات الإبداع، بسبب غناها الأسلوبي،، وقدرتها على محاورة القارئ، وطريقة عرضها، واستثمارها الارتدادات الزمنية والكوابيس والأشكال الهندسية ذات الدلالة، وغرابة حبكتها، إذ تبدو شبيهة بمتاهة الدير الذي يحتضن الفضاء الروائي، ويبدو الكتاب المسموم الذي استعمله القاتل يورج لارتكاب الجرائم، غاية في الطرافة، وإن كان يحيل على بعض قصص ألف ليلة وليلة، وعلى التفاحة المسمومة المعروفة على نحو واسع في قصص الأطفال، حيث ترتبط شهوة التفاحة (المعرفة في الرواية) بالموت المنتظر.
غير أن ما يلاحظ في مجال المقارنة بين الروايتين أن كلتيهما (والسبق طبعاً لإيكو) اعتمدتا على تدوين المذكرات أساساً للرواية، فواضع نص "اسم الوردة" (أي كاتب المخطوط وفقاً لحبكة إيكو) هو "أدسو دي مالك" وقد ترجمه الأب فالي إلى الفرنسية، وأعطاه بطبعته الباريسية (1842|) إلى السارد الذي وضع له ترجمة فورية للكتاب، في كراسات كبيرة. وإذ يختفي الكتاب، في ظروف لا داعي لتفصيلها، لا تبقى للسارد المترجم إلا الكراسات، ثم يجد في إحدى جولاته المكتبية مجموعة نصوص قديمة لا تحتوي على مخطوط أدسو (أو أدسون دي مالك) بل على نصوص قصيرة أو متوسطة الطول، تختلف قطعاً عما خلّفه فالي، مما يعزّز الشكوك بنسبتها، إضافة إلى ظروف أخرى أحاطت بالكتاب، وزادت القارئ تشككاً بنسبة تلك المذكرات، ومنحتها في الوقت نفسه طابع الإثارة والغموض والقدرة على الإيهام بالواقعية.
وإذا كان زيدان قد أفاد في "عزازيل" إفادة واضحة من هذا الشكل الطريف، فإنه بدا أقل قدرة من إثارة المموهات والغموض من إيكو، وإن كان قد نجح في إيهام القارئ العام، وتخبطه في بعض الأحيان، إزاء نسبة الرواية ذاتها، فالرواية تعرض نفسها على أساس أنها ترجمة لمجموعة من اللفائف التي اكتشفت قبل أكثر من ألف وخمسمائة سنة، تلك اللفائف التي كتبها الراهب المصري هيبا، وقد وجدت في صندوق خشبي محكم الإغلاق في منطقة الخرائب الأثرية حول محيط قلعة القديس سمعان العمودي قرب حلب السورية.
وتشترك الروايتان في أنهما تبدأان من لحظة التدوين، التي تمثل نهاية الحكاية واقعياً، وبدايتها فنيّاً، مما أتاح للمبدعين استثمار آفاق الاسترجاع إلى اقصى مدى ممكن. كما يمتزج فيهما التاريخي بالدرامي، والواقعي بالمتخيّل، فالروائيان اللذان يستندان إلى الحقائق التاريخية الموجودة في تاريخ الصراع الكنسي يبدعان في الرسم على ظلال ذلك التاريخ، وينجحان في الانتصارعلى ذهنية اللغة (وبشكل خاص يوسف زيدان) التي يفترضها تقديم ذلك الصراع الذي يوغل كثيراً في التاريخي والعقيدي..
وعلى الرغم من مجالات التشابه بين الروايتين، فقد بدا يوسف زيدان متفهماً جداً لطبيعة المجتمع العربي وثقافته، فقدّم روايته التي جعلت القارئ يتلقفها بنهم، بسبب ما انجبلت عليه لغة متفردة، وقدرة على المحاورة.. حتى فيما يتعلّق بالعنوان الذي بدا نموذجياً تماماً، إذ بدا قصيراً ومثيراً ولافتاً في الوقت ذاته، ولا ينقص من جماله أبداً أنه إشارة لاسم، لأن القارئ العربي مرتبط سيكولوجياً بالأسماء أكثر من ارتباطه بالأفكار، ويمكن له أن يتقبّل الاسم في العنوان، على عكس العقل الغربي الذي نجده لا يميل كثيراً لهذا الأمر.
فقد أشار إيكو نفسه إلى أنّ الناشر قد رفض أن تسمّى الرواية باسم شخصيتها الرئيسة (أدسو دي مالك)، كما أشار إلى تردّده كثيراً في اختيار عنوان روايته، حيث وضع خيارات متعددة قبل أن يستقر على "اسم الوردة"، وبارك له أصدقاؤه هذا الاسم، لأن الوردة في المخيال الأوروبي عامة ذات أبعاد دلالية متعددة، وصار تعدد الدلالات مثار غموض أكثر إيحاءً (تمكن مراجعة مقدمة الطبعة العربية التي كبتها المترجم الأستاذ أحمد الصمعي).
*          *          *
يجب أن نشير أخيراً إلى أنّ افتراض عدم اطلاع زيدان على اسم الوردة، بترجمتها العربية على الأقل، هو احتمال بعيد، فالتشابه أكثر من أن يكون مجرد توارد خواطر: إنّه اطلاع على رواية إيكو، وإفادة مثلى من تقنيتها الروائية العامة، والبناء على الهيكلية التنظيمية للرواية، وعلى ما حصّله زيدان من ثقافة موسوعية، تؤهله لهذا التشابه..
كيف لا. وقد جاب كلّ من زيدان وإيكو حقول المعرفة ذاتها في النقد والفكر والثقافة والأديان؟
..............
المصادر:
1)    أمبرتو إيكو: اسم الوردة، ترجمة أحمد الصمعي، دار التركي للنشر، تونس، 1991.
2)    يوسف زيدان: عزازيل، دار الشروق، القاهرة، ط14، آب (أغسطس)، 2009.