السبت, 22 سبتمبر 2018

مقال : الثقافة والتنمية

السبت 07 أبريل 2018 11:23 م بتوقيت مسقط

العلاقة بين الثقافة والتنمية ليست ملفاً إداريًّا وإنما هي بالأساس حركة اجتماعية متكاملة الإيقاع تجتمع فيها المفارقات باعتبار كليهما حجرَ زاوية للآخر

دعم سخي ومتواصل من المقام السامي للثقافة والفنون والآداب عبر حزمة من الجوائز والكراسي العلمية والمراكز المتخصصة

نحتاج مكتبة وطنية عامة تحفظ التراث وتدعم الحركة العلمية والأدبية بمراجع ومؤلفات في شتى صنوف المعرفة

حاتم الطائي

إذا كانتْ التنمية كمفهوم تعنِي مسيرة الإنسان نحو حياة أفضل، فإنَّ الثقافة كمفردة لها شموليتها؛ هي المعيار الذي تتحدَّد به كَفاءة وقدرة المضمون التنموي على الاستجابة للتحوُّلات الحاصلة من حولنا، من خلال بناء إنسان يعِي ذاته، وحقيقته، ويتلمَّس مصيره. إذ إنَّ الفعل التنموي عملية تتداخل فيها العناصر الاجتماعية والثقافية، تمامًا كما تتدخل السياسة والاقتصاد، بل هو بالأساس -أي الفعل التنموي- مُرتبطٌ بجُملة من التحولات والتغيُّرات العميقة التي تضمن توفُّر المناخ الملائم لخطط النهوض وبرامج التطوير والتحديث؛ فلم يعُد ممكناً تَرْك أيِّ مرحلة من مراحل التحوُّل المجتمعي للعفوية أو التشكُّل بمنأى عن الدراسة والتدقيق، وهذا في حقيقته هو لُب أهداف الفعل الثقافي الواعي ورأسمال استثماراته، كركيزة مهمة في صرح التنمية الشاملة، التي أساسها إعداد وبناء الإنسان الكُفء.

فالثقافة تبني المواطن المسؤول والواعي، إذ لا يُمكن لمجتمعٍ اليوم -أي مجتمع- أن يتطوّر وينتمي إلى الغد، إلا إذا تمكَّن من استيعاب كامل العلوم والتقنيات، وهو ما استوعبته مُفردات ما يُقارب نصف القرن من النهوض العُماني، استطاع خلالها مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- تكوين بناء ثقافي تدعمه اهتمامات واسعة بالدين والتراث واللغة والأدب والتاريخ كأعمدةِ أساس لفعل تنموي قائم على إعادة الأولوية للبُعد الثقافي في مجالات التخطيط والتدبير والتقويم، وفي ظرفٍ تاريخيٍّ انشغلَ فيه الفكر التنموي من حولنا بالقضايا الاقتصادية وحدها -وتطورت فيما بعد لتتعمَّق في المسائل السياسية والأيديولوجية- لتأخذ الثقافة لدينا اليوم اهتمامًا في فكر الدولة العُمانية ما فتئ يتعاظم لمجارَاة القفزات النوعية الهائلة التي عرفها مفهوم التنمية، حتى أصبحتْ مُرَادِفا للرُّقي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد، ونظرية سلوك ترسم ملامح كل ما هو عُماني من عقائد وقيم ولغة ومبادئ وآداب وفنون.

ويَظهر ذلك جليًّا في الدعم المستمر من لدن جلالة السلطان المعظم -أيده الله- للعديد من المشاريع الثقافية، وبحرص شخصي من جلالته، على المستويات المحلية والعربية والدولية؛ عبر إنشاء مجموعة من الكراسي العلمية تحمل اسم جلالته في مختلف دول العالم تهتم بشتى صنوف العلم والمعرفة، إضافة إلى جائزة السلطان قابوس للثقافة والآداب، فضلا عن مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، وإطلاق العديد من الموسوعات الوطنية، والمكاتب والمتاحف والمجمعات الثقافية التي تشع أنوار الثقافة على ربوع وطننا الغالي بامتداده، وأكبر هذه الصروح بلا شك يُجسِّده مبنى دار الأوبرا السلطانية بمسقط، التي توَّجتْ مسيرتنا الثقافية المحلية الحافلة، فضلاً عن إسهامات جلالته المتواصلة لإبقاء شموس المعرفة وضَّاءة في سماء العديد من دول العالم، وما افتتاح المبنى الجديد لمكتبة "أبي الريحان البيروني" بجمهورية أوزبكستان، قبل فترة قريبة، بأوامر سامية من لدن جلالته سوى برهان جديد على تلك الرؤى الداعمة لتعميق ونشر وصون كنوز الثقافة إيماناً بدورها الأكثر عُمقا في تشكيل وعيٍ إنسانيٍّ قادرٍ على صِناعة التقدُّم.

(2)

إن الخَيْط الرابط بين الثقافة والتنمية على دِقته، إلا أنَّه أساسُ نجاحِ الفكر النهضوي؛ حيث تعمل الثقافة على تطوير طُرق الفكر والتفكير العلمي والإبداع الأدبي والفني، والذي بدوره يخلق حالة فعل مُجتمعية ديناميكية تبقَى مستمرة للارتقاء بمستوى الوعي البشري إلى آفاق تطويرية كبرى. وهي قناعةٌ بأنَّه وإنَّ كانت النصوص التشريعية تحترم حرية الفكر والإبداع والتعبير كقاعدة أساسية لبناء المجتمعات، فإن إبراز وتعميق البُعد الثقافي في التنمية واحترام  دُور الثقافة وتقويتها ورفع مستوى مخرجاتها هو الشرط الضروري والأبرز للتقدم الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ إن العلاقة الرابطة بينهما هي في الأساس حديثُ عن المستقبل، مستقبل الخطط التنموية ودور الأجيال المتعاقبة في رسمها وتحقيقها، على قواعد ثقافية متينة.

ومن هذا الاستنتاج، تقافزتْ للمقدمةِ مرةً أخرى بعضُ الملاحظات على المشهد الثقافي لدينا في السلطنة رغم كل الجهود التي بُذلت وتُبذل من أجل الارتقاء به، وما وصلت إليه من منجزات يشهد لها القاصي والداني في فترة قصيرة نسبيا بعُمر الأمم والشعوب. ويُمكننا إيجاز هذه الملاحظات في ثلاثٍ؛ وهي: لماذا إلى اليوم لم نمتلك بعد مبنًى قائما يحمل مسمَّى المكتبة الوطنية؟! وما الذي تحقَّق من إفادات من مكتبة الطفل؟ وأخيرًا ما هي ملامح المشهد المسرحي لدينا؟! باعتبار هذه الثلاث حلقات أفقية تتَّسع وتضِيق، مشكِّلة مستويات الهرم المعرفي في أي مجتمع كان.

فعدم وجود مكتبة وطنية عامة إلى الآن، هو الإشكال الأكبر في الحلقات الثلاث؛ والذي من المفترض أن نكون تجاوزناه، إلى حيث المناداة بمكتبات عامة كُبرى لكل ولاية، بل ومكتبة في كل قرية، وعلى أية حال، فإن وجود هذه المكتبة يعدُّ بلا شك بمثابة مرجعية وطنية للجميع، تحفظ وتصون التراث، وتدعم وتدفع الحركة العلمية إلى الأمام بشكل أكبر، فمن غير المعقول أنَّ كُتبا مشهورة ومُتداولة تبحث عنها محليًّا ولا تجدها، أو أن يضطر الباحثون للسفر لإحضارها من أي دولة، أو البحث عن نسخ إلكترونية لها على الإنترنت.

إنَّ الحاجة الماسة لمكتبة وطنية عامة لابد أن يظل الهاجس الحاضر في الفعل التنموي خلال الفترة القريبة المقبلة، باعتبارها الذاكرة المركزية للدولة، والمركز الثقافي والمعلوماتي الذي يعكس تراثنا وتطورنا، ونحن أحقُّ في هذا بما نملكه من مخزون ثقافي يمتد لآلاف السنين، من دول انتبهت إلى أهمية إقامة هذا الصرح واعتبرت إنشاءه واجبا وطنيا، فيما خصصت دول أخرى -التي لا تسمح إمكاناتها الاقتصادية والبشرية- بجعل إحدى المكتبات المحلية الكُبرى هي القائم بمهام ومسؤوليات المكتبة الوطنية.

وفي سياق الفعل النهضوي الثقافي، نقترح إطلاق مشروع باسم "القرية المُثقفة"، يتم من خلاله مكافأة القرية التي تنتشر فيها صنوف الثقافة، سواء مكتبات تعزز ثقافة القراءة، أو خشبة مسرح تحتضن المواهب وتصقلها، أو مرسم يستقطب الأذهان المليئة بالخيال الفني.

(3)

المنطق يقول إن زيادة المتطلبات الثقافية عند المواطن تحتاج جهودًا تتواكب معه في هذا، وعلى مدى سنواتٍ، انتظرنا إزاحة الستار عن مكتبة الطفل، والكل يُمنِّي النفس بفلج معرفي جديد يتدفق من قلب منطقة القرم بمسقط، ليروي ظمأ جيلٍ واعدٍ من أبنائنا نُؤمِّل عليهم الكثير في تسلُّم الراية من أجيال سبقتها، حتى كان العام 2017م شاهدًا على افتتاح المكتبة.

9 آلاف متر مربع، و8 ملايين ريال عُماني، ومجموعة كتب تحوي كنوزا معرفية بالعربية والإنجليزية، وجوانب تقنية لذوي الإعاقة، وخُطط لافتتاح مركز للابتكار وآخر للواقع التخيلي، وكتب إلكترونية.. خدمات واسعة تستهدف الفئة العمرية من 3 سنوات إلى 17 سنة!! لكن هذه الفئة من أبنائنا للأسف لم تستفد سوى بالنذر اليسير من خدمات المكتبة التي ظللنا نحدثهم عنها، إذ في الوقت الذي تفتح فيه المكتبة أبوابها لاستقبال هؤلاء الزهور، يقضِي أبناؤنا -وهم الفئة المستهدفة من المكتبة- ساعاتهم الصباحية على مقاعد الدراسة، أضف إلى ذلك أنَّ المكتبة تغلق أبوابها أيام الإجازات!! وهنا نتساءل أين وجه الاستفادة إذن؟!

إنَّ غرس بذور المعرفة في هذه النفوس الغضة هو الأمل الذي لابد أن يُروى وترعاه عين الجميع، فهم الساعد المتين الذي ننتظر إسهاماته مستقبلا.. وفي رأيي أن هذا لن يتحقق مطلقًا ما لم يتم التخلُّص من البيروقراطية الحكومية التي تُدار بها المكتبة، والتي تعتبرها جهة حكومية مثلها مثل أي وزارة تغلق عند دقات الثانية ظهرا!!

(4)

متى سنلمس وعيًّا بأهمية وجود مسرح عام يحمل صفة الرسمية، كدعمٍ أو بنية ملموسة لهذا الفن؟ فما لدينا لا يعدو كونه حماسا شبابيا من أعضاء فرق وأندية، يحملون بين ضلوعهم بذرةً فنيةً يانعةً، قدَّموا مستويات عالية في الكوميديا، والدراما المحلية، والشعبية الفلكلورية، والفلسفية والفكرية، ومن قبلها جميعا الوطنية، ومثلوا السلطنة في العديد من المسابقات والمعارض والفعاليات الخارجية أفضل تمثيل، وحازوا مراكز متقدِّمة، كيف لهم لا يجدون نافذة محلية يُطلون منها على الداخل المحلي؟ كيف ونحن نتحدث عمَّا يقارب العقد من الزمان على إنشاء الجمعية العُمانية للمسرح، أن تظل تلك الفكرة ضالةً طريقَها إلى النور؟ فالمسرح، الذي هو جزء من ثقافتنا الأولى (مسرح النادي الأهلي، ومسرح الشباب، ومسرح جامعة السلطان قابوس، ومسرح الأندية، ومسرح الفرق الأهلية، المسرح المدرسي) لم يعُد له تأثير في تقديم الحلول للقضايا المجتمعية -كمهمة رئيسية لهذا الفن- إلا في التسميات والتواريخ والأحاديث المكرورة دائما، وعلينا أن نعترف بأننا لم نتقدم سوى خطوات بطيئة جدا في إنشاء حركة مسرحية حقيقية، مقارنة بما لدينا من إمكانات إبداعية ومناخ ثقافي تعددي وحب للإبداع.

إنَّ الجمعية العُمانية للمسرح مطالبة، اليوم وليس غدًا، بمزيد من العمل الجاد والمتسارع من أجل حرق المسافات الزمنية لتقديم مزيد من الدعم للجهود المشتركة في النهوض بالحركة المسرحية بما يتسق وأهداف الجمعية والتعريف بالمسرحيين العمانيين ونشر إنتاجهم في المحافل العربية والدولية، وعقد العديد من الدورات التدريبية والتثقيفية، وحلقات العمل في كافة المجالات والتخصصات ذات العلاقة بالمسرح؛ للمساهمة في دعم كفاءة المشتغلين بها في السلطنة.. فمساحة اللقاء المباشر التي يوفرها هذا الفن بين الممثل والجمهور هي التي تصنع فارقًا حقيقيًّا في مسار الوعي المجتمعي.

(5)

إن الحديث عن البُعد الثقافي في العملية التنموية، لا ينحصر بكل تأكيد في الإشكالات المطروحة عاليه؛ إذ إنَّ الأمر يحتاج المزيد من الطروحات والتناول المتعمِّق، وإن كُنت أودُّ أن يصل من الأمثلة المطروحة ما هو حاصل من فجوات بين ثلاثة مستويات على درجة بالغة من الأهمية في تشكيل الوعي وبنائه على متانة الأسس والقواعد.. إننا في الحقيقة بحاجة لآفاق تطويرية جديدة وعمل دؤوب متواصل بعيدا عن الروتين، لإيجاد كوادر قادرة على حمل رسالة التنمية بوعي، والوصول ببرامجنا التنموية إلى أقصى درجات التحقق؛ فالعلاقة بين الثقافة والتنمية ليست ملفاً إداريًّا، وإنما هي بالأساس حركة اجتماعية متكاملة الإيقاع، تجتمع فيها المفارقات باعتبار كليهما حجرَ زاوية للآخر، وأهم أهداف تكاملهما معًا إعداد الإنسان وبناؤه بناء معنويًّا؛ بحيث يكون له دور إيجابي في المشاركة بعملية التنمية.