الإثنين, 19 نوفمبر 2018

هل فهمنا ديننا (4)

مقال : الخطاب الاستعلائي

السبت 03 مارس 2018 06:26 م بتوقيت مسقط



د. صالح الفهدي

نظرَ الرَّجلُ الأربعيني إلى الفتى ذي السبعةَ عشرَ ربيعاً بعد الصلاةِ، فوجَّهَ له نصيحةً على مسمعٍ من آخرين قائلاً له :إن ثوبكَ طويلٌ لا تصحُّ الصلاةُ به، ومضى في حديثهِ مشيراً إلى عدم قبول الصلاة بذلك الثوب، مدفوعاً في حديثه بالحماسة التي تصدُرُ من تأييدِ من يسمعُ له ويوافقه! ردَّ عليه الفتى بالسؤال: هل انتهيت؟ قال: نعم، سأله الفتى: هل شممتَ رائحتك؟! ذُهل الرجلُ للسؤال الصادمِ ولم ينبس، وواصل الفتى: إن رائحتك كريهة، فالصُّنانُ النَّتن الذي يفوحُ من إبطيكَ أشغلنا عن الصلاة، ورائحة فمك أبعدتنا عن الخشوع..!! هل نظرت إلى لحيتك الشَّعثاء غير المرتّبةِ، وجيب ثوبك المفتوح وشعرُ الصَّدرِ الثائرِ منه؟! .. إنَّك قبل أن تتحدَّث عن الاقتداءِ بالسُّنةِ الطاهرةِ ومسألةِ قبول الصلاةِ بسبب إسبالِ الثوبِ، عليك أن تنظرَ في طهارةِ بدنك، ونظافةِ جسمك، فالله نظيفٌ يحبُّ النظافة، وعليك أن تنظرُ في هيئتك وترتيبها فالله جميلٌ يحبُّ الجمال.. ونبينا الأكرم يفوحُ من جسدهِ الطِّيب، بل هو الطِّيبُ نفسه، وكان صلوات الله عليه حريصاً على حسن تنظيم هيئته، وتسريحِ لحيته، لا يعجبه أن يرى رجلاً أشعث الشعر، منفوش اللحية، فقد كان يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يحمل معه في سفره: المرآة، والمكحلة، والمدرى(أداة لتسريح الشعر)، والسواك، والمشط، والمقراض. وحينَ رأى عليه أفضلُ الصلاة والسلام رجلاً ثائر الرأس واللحية أشار إليه بإصلاح رأسه ولحيته .
الشاهدُ المستخلصُ من هذه القصَّةِ أن بعضَ الناسِ قد ضيَّقَ الدِّين في صورٍ ظاهرةٍ، فكأنَّما هي أجمعها دلالةُ التقوى، وإشارات قبولِ الأعمال، بينما الدِّينُ أعمقُ، وأوسع، وأبعدُ نظراً، فأصبحَ الواحدُ لمجرِّدِ أن يُبدي تغيَّراً ظاهرياً في هيئته يأمرُ وينهى، مردداً بعض ما حفظ ونقل، مُتعالياً في خطابهِ الفوقي على الآخر، الذي يظنُّ أنه أصبحَ بصورته الظاهرية أعلى منه منزلةً في الإيمان، وأقربُ مكانةً عند الله..!! والله سبحانه هو أعلمُ بما في الصدور..
تقولُ إحدى النساء إنَّ أحد أقرباءِ زوجها قد أتبعهم بتربِّصهِ، ومراقباته، واتصالاته لزوجها ناصحاً إيَّاه بوجوب أن يمنع زوجته من التزين بمساحيق الوجه لأنَّ في ذلك إثمٌ عظيم، في الوقتِ الذي كان الناصحُ يرتكبُ فجوراً، وفواحشَ يندى لها الجبين، ولا يجدُ لها العار والخزي وصفاً..! فضحهُ الله فيما بعد، ونالَ الجزاءَ الذي يستحق..!
شابٌ آخر يحكي عن قريبٍ له أغراهُ أنَّه أصبحَ بين ليلةٍ وضحاها من (أهلِ التقوى)، فنصَّبَ نفسه رقيباً على زوجة قريبه حتى وشى بها إليه قائلاً إنها كل يومٍ تركبُ في مركبةٍ رجلٍ آخر، ولم يكن هذا الرجلُ الآخر في الحقيقةِ سوى زوجها، الذي كان واعياً وعاقلاً لأثر الوشايةِ المُغرضة التي كادت أن تقطِّع أوصال عشرته لولا أنه ردعَ وزجرَ الرَّقيب المتجسس..!
"الدِّينُ المعاملة" و"الدينُ الخُلق" هذان ركنان أصيلان، قدَّم عليهما البعضُ أموراً ظاهرةً ترتبطُ بالهيئات أكثر مما ترتبطُ بالتعاملاتِ، والأخلاقيات..! فأصبح الخطابُ الاستعلائي هو المسيطرُ على بعض من لم يفهم عمق الدِّين، وحكمةِ الشريعة، وفضلِ الرسالة المحمدية، ناهيكم عن من "يرى القذى في عين الآخر، ولا يرى الجذع في عينه"..!
قال لي صديق: إنَّه كان في محفلٍ معيَّنٍ فإذا بأحدهم يسألهُ في أمورٍ لا دخلَ له بها، على مسمع من آخرين، ومنها سؤاله: متى ستحج؟ فردَّ عليه: حين يشاءُ الله، فبدأ يتدخَّلُ في أمورٍ لا حقَّ له بالتدخِّل فيها، فاضطرَّ الآخر للردِّ عليه قائلاً: أنصحكَ يا فلان إن مضيتَ في أسئلتك هذه سأفتحُ كتابَ ماضيك للنَّاس، فالأفضلُ لك أن تلوذ بالصمت، فلزم الأول بالصمت المطبق..!!
الدِّينُ أعظم من أن يجعل أتباعهُ رقباءَ على النَّاس، أو وكلاءَ على أعمالهم..! فالحقُّ سبحانه وتعالى يقول: " وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا"(الإسراء ـ 36)، ونهى الإسلامُ عن التجسسِّ، والتحسس، فالتجسس كما يقول الزمخشري: "ألا يترك عباد الله تحت ستره فيتوصل إلى الإطلاع عليهم والتجسس على أحوالهم وهتك الستر حتى ينكشف ما كان مستورا" أما التحسس فهو استراق السمع وإبصار الشيء خفية..!!
إن عظمة الدِّين الإسلامي هي في تطبيقِ مفاهيمه العليا، ومقاصدهِ السامية التي أساسها الأخلاقيات، والمعاملات، أمّا أن يستعلي من يظنُّ أنه على جادَّةِ الصواب وغيره في طرق الضلالةِ فتلك تزكيةٌ للنفس أي الشهادة لها بالخير، والله نهى عن التزكية بقوله جل جلاله:"فلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى" (32/النجم)، أمّا المؤمن الصالح فهو الذي لا ينشغل بغيرهِ عن نفسه في الإصلاح والخير وإن كان لا ينسى واجبه فيهما، يقول الحق سبحانه:"وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ*أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ"(60/61-المؤمنون).
إنني أُدركُ أن كلامي هذا قد يثيرُ حفيظة البعضِ مما لا يروقُ لهم سماع نقدٍ لأنهم تعوَّدوا أن يُمارسوه هم على غيرهم، ولا يرونهم مسوَّغاً ومقبولاً عليهم..! لكن يتوجّبُ قوله لأنه ليس افتراءً أو ادعاءً بل هو من صميمِ الحكمة السماوية للدين الأعظم الذي لم يكن باباً للاستعلاءِ، أو طريقاً لتزكيةِ النفس، فالنَّهي الرباني لنبيِّ الأمة بالبعد عن الفظاظةِ والغلاظة هو نهي عن الاستعلاءِ الذي يتَّصف بهما، لهذا فإنَّ المؤمنَ ملتزمٌ بصفاتٍ حميدةٍ تتمثل في أسلوبه اللطيف، ومعاملته، والمعاملة السمحة، وفي منظره الأنيق، ورائحته الزكيَّة، كل هذا التزين يأتي قبل العبادة" يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ"(الأعراف/31) من أجل تحقيق شرطها في الطهارةِ، والنظافةِ، والخشوع.
وعلى ذلك فإنَّ الخطاب الاستعلائي لا يزيدُ الناسَ إلا فرقةً، وتشتُّتاً، أمَّا الذي يجمعهم فهو حسنُ الظنِّ، وتواضعِ الأُسلوبِ، يقول الكاتب ميرزا الخويلدي:"الاستعلاء بالدين» أنتج متحزبين أفرطوا في الاستخدام الخاطئ لسلطة الدين لتقسيم المجتمع وقهر الناس واحتقارهم والتعالي عليهم، بدل التواضع، أمام الحضارات التي ما زلنا ضيوفاً على موائدها، أو الشعوب التي نشاركها همّ هذا الكوكب".. وهو هنا يذكّرني بما أطلق عليه أحدهم ذات يوم من وصفٍ نحو الحضارة الغربية بأنها "الحضيرة الغربية"..!!..
ديننا سمحٌ، لا يقبلُ الشراسة في الأسلوب، ورؤوفٌ لا يرضى القساوةَ في الوعظ، ولطيف لا يوافق على الجهامة في التعامل، دينٌ يحثُّ على صفاءِ النوايا، وحسن الظنون، ورفعة النفوس، وسلامةِ الصدور، ونبذ الاستعلاءِ والتزكية.. هذا هو ديننا قبل أن يكون مظهراً خالياً من المضمون..!
لقد كان المقصود فيما سلفَ من معنى هو الاستعلاءُ السلبي، الذي وصفه سماحة السيد كامل الحسن بالقول إن:"الاستعلاء السلبي هو النقص في كل شيء، وأسباب هذا الاستعلاء عند البشر أولاً هو أن الإنسان المستعلي يشعر بأنه أرقى من وسطه الاجتماعي الذي يعيش فيه، وهذه حالة مرضية وجهل، لأنها فاقدة للشروط الموضوعية".