الجمعة, 21 سبتمبر 2018

المكان والإنسان والعمارة..تواشج المادة والروح

الأربعاء 20 ديسمبر 2017 08:03 ص بتوقيت مسقط

المكان والإنسان والعمارة..تواشج المادة والروح

أ.د/ علي ثويني – خبير معماري باليونسكو – السويد

 

(المكان والعمارة) عنوان كتابي الأخير، وحسبي أنها مادة مستجده في إطار الوعي بأهمية المكان في حياتنا، ضمن سياقات الوعي الفلسفي والروحي، المتداخل مع البيئي والعمراني والمعماري. فالمكان هو الأرض(Geo "جوه") التي حفر الإنسان عليها وجوده ودمغ فوق أديمها الإثبات على أنه قائم منذ القدم، وهو الجغرافية وقريننا ولصيقنا، نلمُسه ونتحسسه، نستنشق عبقه، نحفظ لونه، ندرك وظائفه، تلقطه عيوننا، وتحفظه ذاكرتنا, يرافقنا، ويحمينا، يغذّي خيالنا وينضج تصوراتنا وفكرنا. وتُحفرنا مقومات الحياة إليه وتعلمنا حبه من خلال دروس الجمال بما يحمل من صور وألوان وذكريات لأحداث وأشخاص وملامح ومتغيرات، يدركها الوجدان المرهف.

الانتماء للمكان يأتي من فعل الذات المتوارثة فعلاً ومتابعةً، ويتواصل بتواصل الفعل الحي المثبت فوق الأرض كتأكيد وتجسيد للحضور، وأي إنقِطاع لعلاقة الإنسان بالمكان يعني البدء بالتراجع عن المضمون العملي لوجود الوطن والفعلي لوجود الإنسان.
وبذلك فالوطن مكّون ثلاثي التركيب، أضلاعه الإنسان والمكان والزمان. وثمة علاقة جدلية ومؤثرة على مجمل الكائنات، فحواها شد ومد وحركة وسكون، فالمكان هو الثابت والزمان هو المتحرك، فاضطلع الأول بصفة الجغرافية والثاني بالتاريخ في تداخل رمزي أوجده الإنسان.
وخلال توق تلك المنظومة للسكون مثل أي نظام كوني، فإنه يسلك الحركة ليحوله من طور إلى طور. فصاغ الإنسان زمانه في المكان وشكل مكانه في الزمان،  أمسيا "الزمان والمكان" يتداخلان في تركيبته ومزاجه وحتى سحنته، ويرسمان تمايزه وهويته وذاتيته. فشتان بين من سكن المناطق الباردة عن الحارة، أو الجبلية عن الصحراوية أو الداخلية عن الساحلية..الخ. وشتان بواقع الوسائل والاطلاع بين من عاش قبل ألف عام وبين من يعيش اليوم.
ويعد مفهوم المكان من أكثر المفاهيم إشكالاً في التداول المعرفي، لما يحمله من غنى في الدلالة والإيحاء، ولما يتصف به من تعقيد. فهو يجيد لعبة الوجه والقناع والإخفاء، يخفي أحيانا ما ينبغي أن يظهره ويبرز أحيانا ما هو من المفروض أن يختفي. يبدي الوضوح والجلاء والبساطة بل والبداهة الحدسية، ويضمر اللبس والغموض. كون مفهومه بؤرة تقاطعات لعدة معارف متماهية أو أدنى، من فلسفة ورياضيات وعلم نفس وجغرافيا واقتصاد، بل و(أنثروبولوجيا) واجتماع، دون إغفال الفن والعمارة والجمال التي أمست المحك والدليل.
وما زال التساؤل قائماً حول كينونته وتجلياته وأثره وأبعاده وتمثلاته وإنثيالاته وتصوراته وإسقاطاته ومديات استغلاله ومرجعياته وخلفياته وحقيقته أوهلاميته. تساؤلات شغلت العقل البشري أكثر من الحيوان الذي (ترك إدراره) على حجر أو شجر، ليرسم حدود المكان التابع له، ليذود عنه مستقتلا.
رصدنا تكرار ورود المكان بثمان وعشرين موضع بالذكر الحكيم، بدلالات رمزية وحسية مختلفة. وانشغل بجماليات المكان العديد من المفكرين والفلاسفة في جُل الحضارات. فأرسطو يعد المكان مقولة منطقية ذهنية ومعنى كلي لا تستقيم المعرفة بدونه، و بذلك يدرج كمقولة في العلم المنطقي التطبيقي الذي عده أداة العلوم (أورغانون). والمقولات في حيزها المعرفي الدقيق كمعطى ذهني أولي غير وجودي، وهو فرز دقيق له شأنه المنهجي والمعرفي. ووضعه أرسطو عنصراً ثالثا ضمن الطبائع وهي (العنصر والصورة والمكان والحركة والزمان ).
واهتم تراثنا الإسلامي بالمكان في مستواه المعرفي/المنطقي، عند أخوان الصفا والرازي والفارابي وابن الهيثم، وصعد في تناوله نحو الأصول. فعد الرازي مثلا، المكان قديما إلى جانب الزمان والنفس والهيولى والبارئ. ونقل ابن سينا وابن رشد المفهوم إلى المجال الطبيعي. فالمكان عند ابن سينا: "ليس بجسم ولا مطابق لجسم، بل محيط به، بمعنى أنه منطبق على نهايته انطباقا أوليا". وعند ابن رشد: "هو النهاية المحيطة لكونها استكمالا للأجسام المتحركة وغاية تحريكها".
لقد أحدث تنوع وصعود المعارف المعاصرة نقلة نوعية في تصور المكان. وذلك من نتائج الثورات الرياضية والفيزيائية، سواء مع نظريتي الكوانتوم والنسبية، أو مع الهندسة الحديثة اللاأقليدية، وكل ذلك مكنتنا من إعادة تصور مفهوم المكان وصياغته مع التصورات الفلسفية العتيقة. وبذلك تغير التوجه، وبدأ الاهتمام بالأبعاد والمقادير (إحداثيات، انغلاق، انفتاح، ما بين، تبادلية، تقاطع…) بدل الحدس والطبيعة. وربما نلمسها في الطفرة التي أحدثتها العمارة التفكيكية، رغم أنها لم تصل إلى حلول عقلانية للوظيفة ولا التراث، لكنها غيرت من بدهيات التصميم الشكلي على زوايا 90 درجة الذي سلكته العمائر منذ نشوئها، وفتحت بذلك الرياضيات والفيزياء على البعد النسبي للمكان، وهي الخلفية المعرفية التي تحكمت في التصورات المعاصرة للمكان، سواء كمجال الإدراك في علم النفس أو الجغرافي أو العمراني أو المعماري أو حتى الأجناسي-الإجتماعي والثقافي.
ثمة ثابت في شغف الإنسان بالمكان، ويتعدى الأمر الذاتية إلى الوعي الجمعي والذاكرة، فبدونها لا وجود أو قيمة للأمكنة، فالإنسان كائن مفكر و"متذكر". فالمكان جغرافية ونفس وثقافة وعمارة وقدسية وغلة تحفظ النوع وتصون البقاء.
ومنحت الفنون ومنها العمران والعمارة، المكان فعالية، تجعلها في صنف الباكورة والشروع، وتداخلت جدلياً مع المنتج البنائي الدهري. وقرأناه في النصوص القديمة ليس موصوفًا ولا مطروحًا على الوعي، بل حسيًّا محايدا، ودلالته ظرفية وحدثية وأثر، مراد لذاته من جراء الفعل الإنساني، وتموضع للإفرازات الحسية والبصرية، حتى جعل النقاد يعدونه مجرد خلفية للحوادث والشخصيات والمنتج الإبداعي، وطفق يحتل مساحة فنية منذ الأعمال الفنية على جدران الكهوف والتهيئة الأولى للفضاء المعماري حتى كتابة الروايات المعاصرة وصلبها المكان. وتناولته الاثنوغرافيا (الانثروبولجية الوصفية) ضمن تعليلها للطقوس عند البشر الذي هو قائم على وحدة الوجود أو تداخل الإنسان مع الطبيعة.
لابد من الإقرار بإن العقلية الرعوية مكثت غالبة في الثقافة العربية عموما، واخترقت الوسط الاجتماعي الحضري والفلاحي، وهذا ما أشار إليه ابن خلدون قبل سبعة قرون وعلي الوردي قبل نصف قرن، ووضعا تأويلات لآليات حركة التاريخ والمجتمع ضمن السبب والنتيجة. فتلك العقلية غير عابئة بالمكان، بسبب معاشي في البيئة العربية التي تتاخم وتداخل فيها البادية المدينة والقرية،. وسطوة البادية (بالابتزاز) أثر في الجميع، كون الاستقرار يكبل البدوي ويحرمه من الترحال، بما يضمن له البقاء خلال بحثه الدائب وراء الماء والكلأ. وهنا يكمن سر التناشز الاجتماعي في ثقافتنا بين بدوي كاره وعابر وغير عابئ بالأمكنة، وبين تحضر متصاعد الوتيرة والموائمة والحاجة والغلبة.
ومن أجل ردم الفجوة والمرجعية الانتمائية، فإن البدوي لم يتداول لقب مكاني بل سلالي وعرقي، وشغف حتى بمهلهل أسطوري للأصول والفصول، وتشبث بالنسب، وأهمل الحسب، فتخلخل على أثرها ميزان القيم. وانعكس الأمر حتى أصبحت منظوماتنا الحداثية جوهرها بدوي ماضوي متبرقع بهالات سلفية من الشكلانية الحداثوية. فسلطاتنا وتجمعاتنا ومؤسساتنا تسيرها البداوة أكثر من إنتماء لمكان اتفقنا على تسميته "الوطن".
وفي الكفة الأخرى حضري أو قروي شغوف بالمكان، مستندا على ما يسبغه عليه من جود ووجود وخلود، ولايبرحه إلا مكرهاً مطروداً. وبذلك فإن صراعاتنا انحصرت بين بداوة ومدينة أو قرية، أو بكلمة أخرى بين مكان قحط وآخر عدن، أوبين عيش رغد ودعاوى انتماء "ورائي" لمكان مجدب لايدر بل يظر.
لقد بجّل الطيني مكانه، ووجد له الوسيلة في إعمار أرضه وتفريغات فنونه وتأويلات مقدساته، وكره الرملي بيداءه، فتداعى البون العاطفي إلى تناشز وصراع أرق تأريخنا وصنع له منهجا وتواترًا. لقد مكثت الجغرافية أصدق من التأريخ، لاسيما الذي أترع بالتزوير والتبرير والخيلاء والإدعاء. فالتأريخ، كما الأذن التي تسمع و الجغرافية، كما العين التي ترى، وبالنتيجة وجدنا أنفسنا منحازين إلى المكان الجغرافي، على حساب الزمان التأريخي.
ومازال مفهومي الزمان\المكان مدغم في وعينا، ولم نصل إلى ردم الفجوة ضمن تجاذبات اجتماعية. فبين العودة لممارسات مضت والتوق لممارسات مستجدة دوامة. وبالمقارنة فإن الغربيين اعتمدوا "مكانيا" على أنظمه فكرية واقتصادية وسياسية مستجدة "زمانياً"، وتسنى لحلولهم أن تسير وتؤثر في عمق أنساق الراهن. وحسبنا أن الحلول الحضرية والمعمارية، نقلت مجمل ما تبلور في الغرب من معطيات إلى عالمنا، بما يحاكي نقل شجرة من منطقة استوائية إلى منطقة صحراوية, ولكي تعيش وتستمر، فلا بد من أن نحول المحيط الصحراوي إلى استوائي. وهذه علة الموائمة المكانية وطامتها الزمانية.
يمكن أن نطلق على الصلة بين الجغرافية والعمران والعَمارة والإنسان، بـ(علم المكان) أو (بيئة المكان العمراني والمعماري)، تمايزاً عن فحوى المكان الذي طرقته الأداب والفنون. ويشكل عندنا في علوم البنيان الأساس الذي يبنى فوقه كل اعتبار: الاتجاه والتشميس والتربة والتهوية والإطلالة والمحيط، وسماه المرحوم محمد مكية (الصفر المعماري). فالماضي عني بالتراث وأمسى شاغل الناس وشغفهم، بعد أن تدنى نوعها وعانت من نزق الإنسان وجشعه و طمعه، حينما يحرق ما بنت يديه.
لقد سعى التخطيط العمراني جاهداً، خلال القرنين الماضيين إلى تلبية متطلبات وتطلعات المجتمعات الجامحة، ومكثنا نحن نجتر ولم نجدد أو نستجد مدائن. بيد أن تلك التجربة التراكمية في الغرب انتقلت إلى مدننا بغلبة الكفة الحضارية على مبدأ (المغلوب يقلد الغالب) الخلدوني، واخترقت الجانبين الاجتماعي والتخطيطي. ومن هنا كان التخطيط العمراني لدينا يبعد عن المنتج المحلي، حينما تلكأت عملية خلق تراكميات تخطيطية مشابهة لما حدث في الغرب تخص المكان، ويمكث منتج التنمية العمرانية في مدننا صدى لصوت صادر من الضفة الآخرى.
جل تجمعاتنا اليوم أسسها الأجداد، رغم الطفرات والإنفجارات السكانية، بعدما سمحت بالتوسع الذي أمسى جُله (سرطاني)، والذي سحق المراكز التاريخية التي تبقى الأثر ومكان الفخر، كونه الموجود الذي يؤكد الوجود ضمن مفهوم (إعمار الأرض) الذي أطره الإسلام، ويعني (صناعة المكان) وتحويله إلى حيز نألفه وقابل للمكوث، وتلك الأفعال والتدخلات في المكان تؤكد ذاتيتنا. وكلما أطلنا المكوث فيه وتفاعلنا معه وجدانياً ازدادت آثارنا فيه، و تكرست صناعتنا له و ارتباطنا العاطفي به.