الخميس, 22 نوفمبر 2018

الفرنسي الأكثر إثارة للجدل بتنبؤات دولية تستند إلى علوم التاريخ والجفرايا والاجتماع

إيمانويل تود.. "قارئ فنجان" بدرجة مؤرخ

الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 10:24 م بتوقيت مسقط

إيمانويل تود.. "قارئ فنجان" بدرجة مؤرخ

 

 

 

 

  • تنبأ بسقوط الاتحاد السوفييتي فانهار بعد 15سنة.. و15 أخرى انقضت منذ تنبأ بتفكك الامبراطورية الأمريكية

 

الرؤية - خاص

تأخرت نبوءة المؤرخ الفرنسي وعالم الاجتماع إيمانوييل تود بانهيار الاتحاد السوفييتي نحو 15 سنة، لكنها صارت أمرا واقعا في النهاية، بعد أن شكك زملاؤه في قدراته حين أصدر كتابه "السقطة النهائية" في 1976، مؤكدين متانة القوة السوفييتية الاقتصادية والعسكرية وقابليتها للتطور والاستمرار والتوسع، بينما بنى تود أطروحته على إحصائيات علمية دقيقة، فقد اعتمد مثلا على دراسة معدل وفيات الأطفال ومعدلات الانتحار التي استخلصها من السجلات الرسمية للإتحاد السوفيتي. ووصف نسبة الانتحار في الاتحاد السوفيتي وقتها بأنها تطابق معدلاتها مع نسبة معدلات البرجوازيين قبل أفول نجمهم. وفي النهاية، صدقت نبوءة تود "قارئ الكف" فصار كل ما يكتبه من بعدها جديرا بالقراءة والفحص والدرس لدى جموع المثقفين أو حتى لدى الساسة والاقتصاديين، خصوصا بعد أن تكررت الوقائع المماثلة، ومنها توقعه للأزمة الاقتصادية العالمية في كتابه "ما بعد الامبراطورية" في 2002، إذ سجّل فيه النمو المبالغ فيه للخدمات المالية والتأمينات في الاقتصاد الأمريكي على حساب الصناعة، وهو ما وقع لاحقا حين اندلعت الأزمة المالية بعد إفلاس مصرف "ليمان براذرز" في سبتمبر 2008. ومنذ أن طرح تود نبوءته بشأن تفكك النظام الأمريكي وتعرضه لتصدع داخلي خطير ينذر بأفول وزوال الإمبراطورية الأمريكية، انقضت نحو 15 سنة ولا تزال الولايات المتحدة تدرك هذا الخطر، وتعيش بسببه "صداعا" سياسيا، وتشن حروبا توصف بأنها مسرحية صغيرة على الإرهاب في كل مكان ولو بقصد التعمية والتمويه على حقيقة ضعفها وقرب انهيار نظامها، بحسب تود والمناصرين لطرحه.

نموذج إيمانوييل تود ملهم للمثقفين الذين يدركون أهمية دورهم كطليعة لمجتمعاتهم ولو دون دور مباشر في قيادتهم ودفعهم إلى ما يجب أن يكون، سواء داخل فرنسا أو في مختلف المجتمعات والثقافات حول العالم، بما أثاره – ويثيره – الرجل من جدل إيجابي محرض على التفكير واستشراف المستقبل وربط المعطيات بالنتائج دون انفصال عن الشأن العام الذي يلامس تفاصيل حياة الناس، وهو ما تميز به تود بعد سنوات من غياب المفكرين الفرنسيين على سبيل المثال عن معترك السياسة بالشكل الجذري منذ أيام ميشال فوكو وجيل دولوز وغيرهما من المفكرين الكبار ممن كرّسوا مفهوم المثقف الفرنسي الشامل الذي يعانق تحوّلات عصره.

ولطالما اعتبر تود واحدا من أهم المفكرين الفرنسيين المثيرين للجدل، ويعترف الكثيرون بمن فيهم خصومه بالإضافة الخاصة التي حملتها كتبه بالنسبة لتحليل الظاهرة السياسية في فرنسا وغيرها، إذ اعتمد على علوم الإحصاء السكاني والنظريات الأنثروبولوجية. كما يُثري تود دراساته بخليط من الأفكار الماركسية والسوسيولوجية لتحليل العلاقة الوطيدة بين النظم العائلية والبنيات الدينية والسياسية، وهو ما يعطي لأبحاثه طابعا خاصا يتيح قراءة جديدة للعوامل المحددة للأيدويوجيات السائدة.

ولعل أشهر المعارك - وأكثرها حدة - التي واجهها تود بقوة كانت أزمة المظاهرات المتضامنة مع مجلة "شارلي" التي نشرت رسوم مسيئة دينيا، التي قال عنها تود ما لم تقله وسائل الإعلام الفرنسية والإعلامية المنحازة وقتها، إذ نزع تود الهالة التقديسية التي أسبغها الفرنسيون من كل الأطياف على هذه المظاهرات معتبرا أنها مجرد خدعة وكذبة كبرى تخفي وراءها إيديولوجية إقصائية عنيفة. ووجه انتقاداً عنيفاً للنخبة السياسية الحاكمة التي حشدت الجموع باسم الدفاع عن مبادئ الجمهورية، حرية التعبير والعدالة والمساواة، في حين أن فرنسا، بحسب المفكر، خانت منذ عقود هذه المبادئ.

صدم تود مجتمعه بما لا يهوى سماعه، لم ينافق المجتمع بالترويج لأوصاف غير موضوعية تدغدغ المشاعر القومية على حساب الحقائق، قال لهم إنها "أوليغارشية الحشود" التي تستعرض عضلاتها على أقلية من المسلمين والعرب، وتصرّ على تحميلهم مسؤولية الأزمات التي تعصف بالمجتمع الفرنسي على كل المستويات خلف قناع "كلنا شارلي". ومصطلح الأوليغارشية يعني حكم الأقلية وهي شكل من أشكال الحكم بحيث تكون السلطة السياسية محصورة بيد فئة صغيرة من المجتمع تتميز بالمال أو النسب أو السلطة العسكرية.

وقد جرّت انتقادات تود هذه هجوما واسعا عليه، بداية من كافة وسائل الإعلام التي أفسحت المجال واسعا للشخصيات السياسية والثقافية لشنّ هجوم كثيف على الكاتب وأفكاره، وصولا إلى هجوم قوي من رئيس الوزراء وقتها مانويل فالس شخصيا.

وتمسك تود بالحقائق التي اعتاد المصارحة بها حتى وإن خالفت العقل الجمعي، فالرجل قامة فكرية بارزة عُرِفَت بطروحاتها الإشكالية التي طالما تباينت مع منطق الميديا، وأثبتت تماسكها مع الزمن، وقدرتها العالية على التقاط الجوهري المستتر بعيداً عن بهرجة الميديا ومانشيتات الجرائد والخطب السياسية، متسلحا بالتحليل العميق الذي يحاول أن يحصل على أجوبته انطلاقاً من معطيات نادراً ما تتمكن من إغرائك لمناقشتها وأخذها في الحسبان، والذي يحاول فهم حركة التاريخ من خلال تعبيراته الأكثر خمولاً.

ويشار إلى أن الكاتب والمفكر الفرنسي إمانويل تود، من مواليد 1951، وهو حاصل على دبلوم من معهد الدراسات السياسية بباريس، ودكتوراه في التاريخ من جامعة كامبريدج، وباحث في المعهد الوطني للدراسات الديمغرافية، ومن خلال بحوثه توصل مع بعض زملائه إلى أن النظام العائلي يلعب دورا محددا في التاريخ وفي المؤسسة الدينية والإيديولوجية والسياسية. وإضافة إلى كونه مؤرخا فهو انثربولوجي وديموغرافي ومُحلل سياسي.