الجمعة, 16 نوفمبر 2018

مؤسسات تعليم الطفولة المبكرة بين الانتشار والتشتت

الأحد 17 سبتمبر 2017 10:13 ص بتوقيت مسقط

مؤسسات تعليم الطفولة المبكرة بين الانتشار والتشتت

د. عامر العيسري – مسقط – سلطنة عُمان


إن قراءة البدايات الأولى للتعليم في عمان يمكن أن تؤكد لنا بوضوح ما تفرد به تعليم الاطفال في مرحلة الطفولة المبكرة من اهتمام ضمن خطط تطوير التعليم في السلطنة، حيث قامت الكتاتيب ومدارس القرآن الكريم بدورها في تعليم الأطفال ، ثم خصصت بالمدارس النظامية في السنوات الأولى من عمر النهضة المباركة صفوف تستقبل الأطفال الصغار ، وبعد تطور التعليم الخاص في السلطنة  من خلال افتتاح المدارس الخاصة أصبح التعليم الخاص معنيا بتقديم خدمات التعليم قبل المدرسي من خلال افتتاح رياض الاطفال كمبنى مستقل أو كجزء من المدرسة الخاصة تستقبل الاطفال من عمر بين 3-6 سنوات.

ومؤخرا حصل تطور كبير على صعيد التعليم المبكر في سلطنة عمان خلال السنوات الأخيرة. فنما هذا القطاع وزاد عدد الأطفال المسجلين في رياض الأطفال نتيجة زيادة استثمارات القطاع الخاص من خلال تزايد افتتاح أعداد كبيرة من الحضانات ورياض الأطفال ، وهذا يعود بشكل خاص إلى ارتفاع في الوعي العام لدى المجتمع العماني حول أهمية التعليم المبكر ، ومن اللافت أن زيادة الوعي ليست مقتصرة على الشرائح الاجتماعية المتعلمة، بل هي عامة وتنطبق على مختلف الشرائح بما فيها تلك ذات الدخل المحدود. ولكن مع ذلك تبقى نسبة التحاق الأطفال بمؤسسات التعليم المبكر نسبة المنخفضة إذا ما قورنت بالنسب التي وصلت إليها الكثير من الدول وإذا ما دعمت بالنمو السكاني المتسارع بالسلطنة وخصوصا لفئة الأطفال ، حيث أن معدل الالتحاق بمؤسسات التعليم قبل المدرسي مؤخرا بحسب المؤشرات الإحصائية التربوية في السلطنة بلغ 48% من إجمالي الاطفال بهذا العمر في السلطنة ، وهذا يعود بشكل رئيس إلى تركز التعليم المبكر في القطاع الخاص مما يجعله غير متاح لفئات ذوي الدخل المحدود ، فضلا عن كونه محصورا في المدن الكبرى ذات الجدوى الاقتصادية وغير متوفر في المناطق الريفية والبعيدة. كما يمكن أن تعود أيضا قلة معدل الالتحاق بهذه المرحلة الى استمرار وجود نقص في الوعي لدى بعض شرائح المجتمع حول أهمية التعليم المبكر.

إن فتح المجال للقطاع الخاص للتوسع الاستثماري من خلال تقديم خدمات التعليم قبل المدرسي أوجد أشكالا مختلفة من وحدات التعليم المبكر بمرحلة التعليم قبل المدرسي في السلطنة ، فتوجد رياض أطفال قطاع خاص تحت إشراف وزارة التربية والتعليم بعضها في مبنى مستقل بينما الأخرى هي صفوف رياض أطفال في مدارس خاصة ومدارس عالمية موجودة في السلطنة ، وأعدادها في تزايد مستمر خصوصا في محافظة مسقط ، كما توجد مدارس تحفيظ قرآن كريم الخاصة ، والتي كانت سابقا تحت اشراف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ثم انتقل الإشراف عليها إلى وزارة التربية والتعليم ، وقد بقيت مراكز تحفيظ قرآن كريم المنتشرة في الجوامع والمساجد تابعة لإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.
ومن مؤسسات التعليم المبكر أيضا الحضانات الخاصة ، وكذلك الأركان وبيوت نمو الطفل التي تدار غالبا من قبل جمعية المرأة العمانية وتعمل تحت إشراف وزارة التنمية الاجتماعية ، ويوجد اتفاق بين الوزارتين لنقل مهمة الإشراف على تلك الأركان تدريجيا الى إشراف وزارة التربية والتعليم ، وتوجد أيضا صفوف رياض الأطفال المنشأة في مدارس الجاليات الأجنبية ، وهي صفوف تقبل فقط أطفال الجاليات ولا يسمح للأطفال العمانيين التسجيل بها ، كما أسست شرطة عمان السلطانية والقوات المسلحة رياض أطفال تقدم خدمات التعليم المبكر لأطفال العاملين بهما وتعمل بإدارة منها بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم في مهام التوجيه الفني والتدريب لعمل هذه الرياض ، وبالإضافة إلى ذلك هناك وحدات للتعليم المبكر التي أنشأت بترخيص من قبل وزارة التجارة تحت مسمى بيوت التنمية الفكرية والمراكز الذهنية وهي من المفترض بالأساس أن تقدم نشاطات تربوية وترفيهية كمالية للأطفال الصغار إلا أنها شيئا فشيئا تحولت الى رياض أطفال بشكل كامل تعمل خارج نطاق أي رقابة ، كما توجد أخيرا رياض أطفال تم تأسيسها من قبل شركات كبرى مثل بنك مسقط أو الشركات النفطية وذلك من أجل تقديم خدمات التعليم المبكر لأطفال العاملين في هذه الشركات. ومعظم هذه المؤسسات تتطور سنويا في أعدادها ،  لكن من الملاحظ أن المؤسسات التي لا تندرج تحت الإشراف المباشر للتربويين المتخصصين لا تنال نصيبا كافيا من الإشراف والتوجيه الفني ، ولا تمتلك الكوادر المؤهلة للعمل بها ، وبالتالي لا ندرك مدى مناسبة ما يقدم بها للأطفال وحاجاتهم وقدراتهم .

في الواقع من المؤكد أن تقسيم هذا القطاع الحيوي وتجزئته ووجود عدّة جهات مسؤولة عن إدارة وحدات متشابهة يعد بطبيعة الحال ظاهرة غير سليمة مطلقا ، مما يستدعي ضرورة العمل على وضع جميع وحدات التعليم المبكر تحت إشراف جهة واحدة متخصصة. وهذا ينطبق ليس فقط على رياض الأطفال بل أيضا على الحضانات ، وقد بدأ العمل في السنوات الماضية من خلال نقل الإشراف على مدارس القرآن الكريم إلى وزارة التربية والتعليم ، كما يتم في هذه الفترة تعاون واتفاق بين وزارة التربية والتعليم و وزارة التنمية الاجتماعية لنقل الإشراف على الأركان وبيوت نمو الطفل إلى وزارة التربية والتعليم ، إضافة إلى أن المراكز الذهنية التي حصلت على ترخيصها من وزارة التجارة ومن غرفة تجارة وصناعة عمان هناك توجه أيضا إلى توجيه الإشراف عليها من وزارة التربية والتعليم .

من هنا يلاحظ أن هذا التشتت في أنواع مؤسسات طفل ما قبل المدرسة يمكن أن ينتج مخرجات متفاوتة في مستوى المهارات والخبرات المكتسبة بدءا من مخرجات المؤسسات المتعثرة التي هي عبارة عن مجرد حدائق تسلية يتخلص فيها أولياء الأمور من ضجيج أبنائهم إن صح التعبير ، وصولا إلى مخرجات تلك المؤسسات المنظمة التي تمتلك النظم والمناهج المعدة و الكوادر المدربة والتي وضعت رسوما عالية لاستقبال الأطفال بها والتي قد لا يستطيع عدد لا بأس به من فئات المجتمع إلحاق أبنائهم بها ، وهذا كله مدعاة للعمل بجد من قبل جهات التشريع المسؤولة في البلد من أجل لم هذا الشتات تحت مظلة واحدة تنطلق من خلال استراتيجية وخطط واضحة ومنظمة ومعايير موثقة ومناهج حديثة وكوادر مؤهلة ، يمكن أن يطلق عليها على سبيل الاقتراح المركز الوطني للطفولة ، أو المجلس الأعلى للطفولة ، بحيث تمتلك هذه المؤسسة المقترحة الدعم التشريعي والمالي لتكون جميع خطواتها قائمة على البحث العلمي و العمل المنظم.

إن قيام مؤسسة إدارية متخصصة للطفولة بالتأكيد سوف يكون مكسبا كبيرا سيؤتي ثماره لاحقا في الأجيال القادمة التي ستحظى من خلال هذه المؤسسة برعاية متأنية ومنظمة لتحقيق مصالحهم الفضلى ، وبالتالي تنشئة أجيال تمتلك الاستعداد الكافي للانخراط في الحياة وبناء المجتمع ، وسيكون لدينا قاعدة بيانات واضحة لهذه الشريحة المهمة من شرائح المجتمع تنطلق من خلالها الأهداف التنموية للبلاد التي وضعت ضمن أولوياتها التوجيهات السامية لعاهل البلاد المفدى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ، الذي دعانا مرارا وتكرارا لبذل الجهود التي من شأنها بناء الإنسان العماني وإعداده لبناء مجتمعه وخدمته.