الثلاثاء, 23 أكتوبر 2018

مقال : أفيقوا أيُّها الشباب

الثلاثاء 12 سبتمبر 2017 06:33 م بتوقيت مسقط

د. صالح الفهدي

في زمن الثورةِ المعرفية، والمعلوماتية، والتسابق الحميم نحو المستقبل، لن ينفع شباب معسكرِ "الريال مدريد"، ولا معسكرِ "برشلونة" تحيزهم المتعصِ، كما لا ينفعهم جدالهم الطاغي حول "ميسي"، و"رونالدو" أيهما الأفضل..!! الغارقون إلى النخاع في اهتماماتهم بـ"الكلاسيكو"، والصفقات التاريخية لانتقال اللاعب البرازيلي "نيمار" من برشلونة الإسباني إلى باريس سان جيرمان الفرنسي!

اهتمامات وإن تكن شبابية، وإن تكن ذات نكهةٍ، ومذاق، تجمعُ الأصحابَ، وتشكلُ التحالفات الرياضية، لكنها تخل بجوانب أُخرى ذات أهمية كبيرة تركها أكثرُ الشبابِ عمداً، فسجلوا تأخراً ملحوظاً فيها لصالح اهتمامتهم –المبالغ فيها- في مساجلات وجدالاتٍ لا تنتهي!

إنَّ الشخصية أيُّها الشباب هي مجموعةٌ من الصفات، والعادات، والطباعِ، والأخلاق، والمعارف، والقدرات، والمواهب، فإنْ هي نهلت من موردٍ واحد، أصابها النقصُ والضمورُ في جوانبَ أُخرى أكثرَ أهميةٍ، وأشد أثراً عليها، وإن هي اقتطفت كما يقالُ من كل بستانٍ زهرةً، ووازنت في اهتماماتها شبت متزنةً، واعيةً، ناضجة!

الحياةُ أيها الشباب ليست الحياةُ مجرد رياضةٍ -على أهميتها- ولا سينما، ولا ترف، ولا مقاهي، ولا جلساتٍ فارغة.. الحياةُ مزيجٌ من ألوان المعرفةِ، والكفاحِ، والاجتهادِ، والقدراتِ، والكفاءات، إضافة إلى الترفيهِ المعقول، المحبب، فإن أنتم وعيتم أنها كذلك سلكتم طريقاً وسطاً تُمكِّنون فيه أنفسكم من كل ما فيه نفعٌ لكم، وإن أنتم أهملتم ذلك شببتم فارغي الفكر، مهزوزي الشخصية، فاقدي الطموح، مسلوبي القرار، واهني الإرادة!

لقد وُجدتُ -أيُّها الشباب- في زياراتي للمدارس، والكليات، والجامعات، أنَّ هناكَ فجوةً كبيرةً تتسعُ يوماً بعد يوم بينكم وبين الإناث لصالحهن؛ فجوةٌ في التفكيرِ، والتوجه الذهني، والطموحات، والجديةِ، واقتناءِ المعرفةِ، والمبادرةِ، والتطوع، وغير ذلك من مجالات التنافس الإبداعي. ففي الوقت الذي يحومُ فيه الشباب حول إجابةٍ ما، تكون إجابات الإناثِ دقيقةً، وحذقة..! وفي الوقت الذي يهدر الشباب أوقاتهم فيه تسكعاً في أوج الدراسةِ، تنكبُ الإناث على الدارسة والاستذكار.. كما وجدتُ -وهذا ملاحظ- أن أعداد النساءِ في الدراسات الجامعية، وفي الوظائف أصبحت تفوق أعداد الذكور، وهذا مؤشرٌ مريحٌ من جانبٍ، ومقلقٌ من الجانبِ الآخر، لأن الحياة الإنسانية لا تُبنى من طرفٍ واحد..! يقول المفكر العربي جودت السعيد: "النساء هن زعيمات المستقبل، النساء في جميع المواد أكثر من الشباب في الدراسات العليا"، الإناث يقرأن كتباً وفي المقابل لا يكاد الذكور يقرأون شيئاً لأنهم مهووسون بالدوري الإسباني، والأندية الأوروبية، ولعبِ الكرة.. حتى فَرغَ العقلُ من شؤونٍ أهم، وخلا القلبُ من همومٍ أعم..! وأصبحت همتهم على قدرِ همومهم كما يقول المتنبي "إن الهموم بقدرِ الهمم"!

لن نقولَ إننا سنشهدُ في المستقبل فروقاتٍ واضحةٍ لأننا نشهدُ ذلك الآن في الحاضر: فروقات معرفية، وعقلية، وإبداعية، وفروقات على صعيد العزائم، والطاقة، والقدرات.. حتى على صعيدِ فهم مشروعِ الزواجِ وما يستلزمهُ من مسؤولياتٍ وتبعات لا يكادُ الشباب يعوون تفاصيله، فهم يقدمون إليه بالفطرة والغريزة، ولهذا تقعُ الطلاقات التي ترتفعُ نسبتها تدريجياً..!. الإناثُ أكثرُ وعياً بأمورِ الحياةِ لأنهن يلهثن وراءَ المعرفة، لهذا نشأ الفارق الثقافي الواضح بين الإناث والذكور..! في المقابل فإن كثيراً من الشبابِ غارقون في حلم صفقة "نيمار" التاريخية، يعدون عائده المالي اليومي، والإسبوعي، والشهري!

أيُّها الشباب، كم منكم من يلهثُ وراءَ من يسمون "مشاهير السوشيال ميديا" أولئك الذين صنعتم لهم أمجاداً لم يحلموا بها، تحقرونهم وتسخرون بهم من جانب، وتتابعونهم عن شغفٍ من جانبٍ آخر..! ضيعتم أوقاتكم في متابعتهم وهم فارغون ليس لهم حظ من أدبٍ فتتهذبون به، ولا من علمٍ فتنتفعونَ به، بل سخافات، وسفاهات..!! لم تعوا منفعة وسائل التواصل الاجتماعي لأنكم لستمُ طرفاً في صناعتها، ومع ذلك أسرفتم في التعاملُ معها فيما لا يجدي نفعاً، ولا يقيمُ أمرا..! ولو أنكم تابعتم من يسدي إليكم نصيحةً، أو يوجه إليكم معلومة، أو يهديكم حكمة، أو يهدي إليكم فكرة لصح بذلك استخدامكم لهذه الوسائل التي هي نعمةٌ إن أحسنتم التعاطي معها، وهي نقمةٌ إن أسأتم استخدامها!

اعلموا أيُّها الشباب أنَّ المستقبلَ لا يعترفُ إلا بصاحبِ مهاراتٍ، وعقلياتٍ، وقدرات متميزة، ومتفردة. أما المتخاملون المتكاسلون فسيقبعون في قائمة الذين يدفعهم الزمن لا الطموحات، ولا الهمم نحو المستقبل، وقد أحصى "هوارد جاردنر" في كتابه "خمسة عقول من أجل المستقبل" (Minds for the future5) عقليات للمستقبل هي: العقل التخصصي، والتركيبي، والإبداعي، والأخلاقي والمحترم، وقد أضفتُ إليها عقلاً سادساً -إن جازَ لي ذلك- هو العقلُ المبادر.. هذه العقليات لا غنى لها عن مهارات لازمة للمستقبل هي بمثابة العدة التي يصطحبها معه المسافرُ نحو المستقبل.

إنَّ جوهر التطلعات التي تحلمون بها أيُّها الشباب من سعادةٍ ترونها متحققةً فيما ستحصلون عليه من ثروةٍ أو ريادةِ أعمالٍ، أو تكوين بيت أُسري هانئ، أو غير ذلك مما تحسبونه من النجاحات لن تتحق لكم بغيرِ الإيمان الذي هو مصدرهُ الدين، ولن تفيدكم حقيقة أعظم من هذه الحقيقة إن أردتم تحقيق النجاح الفعلي والمؤثر في حياتكم إلا إن كنتم تبحثون عن نجاحات مزيفة، مبهرجة من الظاهرِ، خاويةً من الباطن..! يقول نابليون هيل صاحب الكتاب الشهير"فكر تصبح غنياً": "إذا رغبت في الحصول على برهان لقوة الإيمان، ادرس إنجازات الرجال والنساء الذين وظفوا تلك القوة واستعملوها. وأساس الإيمان هو الدين، وجوهر تعاليم الأنبياء وحصيلتها هي معجزات صادرة من الإيمان ليس أكثر، وأي معجزات تحدث في الحياة تكون صادرة من حالة ذهنية تعرف بالإيمان"، ويقول:"الإيمان هو نقطة البداية لجمع كل الثروات، وهو أساس كل المعجزات وكل الألغاز التي لا يمكن تحليلها بقواعد العلم والإيمان هو الترياق أو العلاج الوحيد للفشل".. لهذا أقول لكم أيها الشباب أنه بقدر ما تكونون مؤمنين بخالقكم العظيم، وبقدر ما تعتنون بإيمانكم تتحقق لكم النجاحات العظمى في الحياة، أو يرتهنُ إليه فشلكم فيها، فخذوها حقيقة لا مراءَ فيها، ولا جدال.

لا يُمكنكم أيها الشباب أن تتجاهلوا ما يدور حولكم من متغيرات في كل الجوانب: الاقتصادية، والاجتماعية، والعلمية، والسياسية.. فإن لم تستطيعوا أن تفرقوا بين "نيمار" و"ميانمار" فأنتم بعيدون عن الأحداث، فالأول لاعبٌ هو شغلكم الشاغل، والثانية دويلةٌ شغل كل إنسانٍ يتابعُ ما يدور من أحداث في العالم، ويتعاطفُ مع مأساة الأبرياءِ ضحايا التطهير العرقي للمسلمين من مواطنيها..!! إن لم تستطيعوا أن تفرقوا في متغيرات معيشتكم التي ظللتم تعيشونها بنفس العادات، والسلوكيات، والأفكار فأنتم لم تعووا ما هي العواقب الاقتصادية على مستقبلكم..! إن لم تستطيعوا أن تميزوا الفروقات الاجتماعية بينكم ورفيقات المستقبل فإنكم لن تستطيعوا أن تكونوا أزواجاً ناضجين، وآباءً راشدين..! وإن لم تستطيعوا أن تستوعوا ركائز بناء الأوطان وشروط نهضتها وتقدمها فلن تكونوا أحصنةً ميادينها، ولا أعمدة صروحها، وكلما غابَ وعيكم في جانب ازدادت الفجوة وتراجعتم إلى الوراء بسرعة هائلة، وليس كما كنا نقول "رويداً رويداً" فلم يعد لهذا الإبطاءِ من وجود في عصر السرعة!

أفيقوا أيها الشباب من سُباتكم، ومن جدالاتكم الفارغة، واهتماماتكم الخاوية، وانتشلوا أنفسكم بجدية التفكير، وشكيمة الهمة، وقوة المعرفة. كونوا على قدرِ ما تراهُ الأوطان فيكم على أنكم إكسير تنميتها، ومحرك عجلاتها، ورهان تقدمها، وقوة التغيير فيها. ارفعوا سقف تطلعاتكم وأحلامكم، وأيقظوا قواكم الخفية فما تميزَ من تميز من البشر، ولا أبدع من أبدع إلا لأنَّه اكتشف النعم الخفية التي حباهُ الله بها فاستطاع توظيفها توظيفاً ذكيا بإرادةٍ وثابة، وهمة وقادة.

أفيقوا أيها الشباب، ولا تتقوقعوا في صناديقِ أفكاركم التقليدية، فكروا خارجها، أطلقوا أخيلتكم في فضاءات غير محدودة، اطلبوا الحكمة من الحكماء، استثمروا أوقاتكم فيما يطور قدراتكم، امتلكوا مهارات لا غنى لكم عنها، عمِّروا قلوبكم بالإيمان العميق بالله، تكتسبون سعادةً روحانية تنطلي على كل أعمالكم، واجهوا المستقبل بمسؤولية، اشحذوا هممكم وقواكم، فليس هذا زمن التواكل، ولا التقاعس، ولا الخمول، بل هو زمن ذكي العقل، متوقد الهمة، متحفز العزيمة، طالب الحكمة، الشغوفِ بالمعرفة، التائق إلى التغيير.

أفيقوا أيها الشباب، فالمستقبل يبدأ الآن.