الثلاثاء, 25 سبتمبر 2018

مقال : آفاق الشراكة المجتمعية

السبت 12 أغسطس 2017 10:09 م بتوقيت مسقط

حاتم الطائي

أرْست جائزةُ الرُّؤية لمُبادرات الشَّباب على مدى أعوامها الخمسة حتى الآن، قواعد عَملٍ أصيلةٍ، تُبرهن على صدق الشَّراكة المُجتمعيةِ بين القِطاعَين العَامِ والخَاصِ، وتُترجِم الدعوات السَّامية الحكيمة بشأن تكاملية العلاقة بين مؤسسات الدولة الرسمية ومؤسسات القطاع الخاص؛ إذ تحولت الجائزةُ إلى جسرٍ واصلٍ بين طَرفي هذه العلاقة التكاملية، من خلال نقاطٍ عدة.

يأتي في المقام الأوَّل أنَّ الجائزة هي الأولى والوحيدة في السلطنة التي تولي ذلك الاهتمام الكبير بمُبادرات الشباب، وتفتح لهم المجال لإطلاق العنان لإبداعاتهم، وهي الإبداعات التي تتحولُ إلى مَشارِيع عملٍ وأفكارٍ طموحةٍ تُعانق سماء التَّميز، وترتقي في تفردها إلى مسارات أعلى، سواء من حيث الجدوى من تطبيقها أو آليات عملها.

فالجائزةُ ومنذ نسختها الأولى تُسهم في الكشف عن مشروعات واعدة، تعكس تفوق الشباب العُماني المُثابر، الذي يؤكد دومًا معدنه الأصيل، وأنه ابن بار بهذا الوطن المعطاء، فكما أنَّ الوطن لم يبخل يومًا على أيِّ شاب منذ انبلاج فجر النهضة المُباركة، فإنَّ الشباب يُعبر في كل محفل ومناسبة عن ولائه وانتمائه للتراب العُماني الغالي.

النقطة الثانية أنَّ الجائزة باتت ملتقى واسعًا ومنبرًا أمام النابغين من الشباب، ونافذة لكل مُبتكر وصاحب فكرة، كي يعرضها مبرزا دورها في تنمية المجتمع والنهوض به، فكم من أفكارٍ ساهمت جائزةُ الرؤيةِ لمُبادرات الشباب في كشف بريقها اللامع، وتحفيز المُبدعين من الشباب، لاسيما أبناء الولايات خارج العاصمة، لعرض طموحاتهم وإسهاماتهم النيِّرة، لتكون نواة لمشروعات مُستقبلية تدعم الخطط الحكومية في شتى المجالات.

الجائزة تؤدي دورًا محورياً كذلك في إتاحة الفرصة أمام طلاب المدارس للمشاركة في الدورات التدريبية التي تنعقد على هامش الفعاليات، وقد حققت هذه الدورات وورش العمل نجاحًا منقطع النظير، لما تشهده من طلبات مُشاركة تفوق العدد المستهدف في كل دورة، فضلاً عن المُحاضرين ذوي الخبرات المُتميزة الذين ينقلون العلم والتجارب العملية والحياتية لهؤلاء الطلاب.. فالجولات التي تنظمها الجائزة بالولايات تُثلج صدورنا، لما نراه في عيون الشباب من يقين مترسخ بمُستقبل أفضل، وابتسامة مُطمئنة بأنَّهم قادرين على تحمل المسؤولية.. لذا لم يعُد غريباً علينا أن يخرج من بين المُشاركين في هذه الدورات شبابٌ واعٍ ومتقنٍ لعلوم الذكاء الاصطناعي وتصميم الإنسان الآلي (الروبوت) والتي تعتمد في جوهرها على إنترنت الأشياء، وهو العلم الأحدث في منظومة الإنتاج المُعاصرة.

غير أنَّ ثمة تساؤل يقفز أمامنا ويطرح نفسه بقوة، حول مرحلة ما بعد الشراكة المُجتمعية، فالقطاع الخاص المُبادر لا يتوانى عن دعم هذه الأفكار الإيجابية، و"الرؤية" كمنبر إعلامي تُلقي بثقلها خلف هؤلاء المُبدعين، إيماناً منها بأنَّهم بذرة صالحة تحتاج إلى التُّربة الخصبة كي تنبت نباتاً طيباً، وتتحول فيما بعد إلى نماذج رائدة كل في مجال تخصصه، يلهمون أقرانهم ويمنحون المُجتمع عظيم الأمل في مستقبل أكثر إشراقًا، اعتماداً على سلاح العلم والمعرفة، وارتكازاً على مُعطيات العصر بكل ما تحمله من مُتغيرات وأدوات فاعلة، فضلاً عن قدرتها على صنع الاختلاف، فتكون النتيجة تقدماً ورخاءً.

بيد أنَّه وبُغية تحقيق هذا التَّقدم والوصول إلى ذلك الرخاء، يتعيَّن على صُنَّاع القرار أن يلتقطوا المضرب ويوجهوا الكرة نحو إنجاز فريد يصنعه هؤلاء المُبدعون، فمؤسسات الدولة المعنية مدعوة للإسهام بفاعلية كي تقود "سفينة المُبدعين" الذين تُسهم جائزة الرؤية لمُبادرات الشباب في الكشف عن مواهبهم، وتبحر بهم نحو مرافئ الإنتاج الحقيقية، فأفكارهم وإبداعاتهم تظل حبرًا على ورق، أو نماذج مُصغرة لروبوتٍ قَادرٍ على القِيامِ بمهامٍ مُذهلة بتكلفةٍ رخصيةٍ أو بمجهودٍ لا يُذكر..

ونَحنُ في هذا السياق نطرح فكرة نأمل أن تجد صداها لدى المُهتمين والمسؤولين، وهي تأسيس أوَّل قاعدة بيانات لهؤلاء المُبتكرين، يتم تأسيسها وفق أطر علمية وعلى قواعد مَعرفيةٍ صحيحةٍ، وتكون أولى مهام هذه القاعدة المعلوماتية أن تحصر جميع الشبابِ والفتياتِ المُبتكرين، ومن ثمَّ تُصنفهم إلى مجموعات، وهذه المجموعات تنقسم إلى فرق بحثية، تعكف على تطوير الأفكار المُبتكرة وتقدم لهم الدعم اللازم لتحويل هذه الأفكار إلى واقعٍ ملموس.

إنَّ جَائِزةَ الرُّؤيةِ لمُبادراتِ الشباب وهي تستحثُّ الخطى في عَامِها الخامس، تحمل على عاتقها مسؤولية الكشف عن المواهب الكامنة في بلادنا، وأن تحفز الشباب المُبدع المُبتكر والمُبادر إلى صنع الفارق وتحقيق الاختلاف الذي يبني ولا يهدم، بسواعدٍ وعقولٍ مُضيئةٍ بالعلوم والمعارف.. فالأمل لم ينقطع يوماً في أنَّ الشباب هم طاقة المُستقبل التي ستُنيرُ عُمان خلال السنوات المُقبلة، ونفوسنا تتوق لرؤية هؤلاء في مواقع الابتكار ينتجون وينقلون مَعارِفَهُم إلى الأجيال المُتعاقبةِ.