الثلاثاء, 19 سبتمبر 2017
31 °c

نحو مفاهيم أكثر انفتاحاً (5)

مقال : التعاطي مع الأفكار لا الأشخاص

الأحد 11 يونيو 2017 06:05 م بتوقيت مسقط

د. صالح الفهدي

كثيراً ما تدور حياتنا وتصوراتنا حول الأشخاصِ بدلاً من الأفكار..! وسبب ذلك أنَّ حياتنا بُنيت حول الهالات الشخصية بصورة طاغيةٍ، مع تقصيرٍ واضحٍ بل ومزرٍ في بناءِ العقلية التي تتعاطى مع الأفكار. هذا البناء سبّب لنا إشكالية عظمى وهي أنّه أوجدَ عقولاً لا تُعمل التفكير فيما ينقل إليها من الأشخاصِ/الرموز/الهالات بل تتخذه شعاراً لها دون التفكير فيه، أو حتى مجرّد الشكِّ، مما عطّل القوى العقلية الناقدة، وشلّ حركة الجهاز الدماغي الفعّال.

هذه التنشئة جعلت من غير المستساغ في مُجتمعاتنا أن تخالف "اجتهاداً" أو "فكرة" أو "رأياً" صادراً من أولئك الشخوص لأن ذلك يعتبرُ في عرف العقلية المجتمعية نوعاً من التمرّدِ بل وعدم التقدير لتلك القامات، وهنا يتَّضح الخلطُ بين الأشخاصِ والأفكار، فأن تناقش الفكرة يعني أنك تتجنّى على الأشخاص..!

ولا أزال أذكرُ من سنوات بعيدةٍ أنني كنتُ في مجلس من المجالس دار الحديثُ فيه حول موضوع اجتماعي فقلتُ: لا يجب أن نأخذ كل ما جاء به العالمُ الفلاني مأخذ القطعِ لأنه هو ذاته يؤكّد على أن ما يقوله بناءً على ما تسعفهُ به ذاكرته، والذاكرةُ تذكرُ وتنسى. فردّ أحدهم عليَّ غاضباً: إنك بهذا تقدحُ في علمائنا..! قلتُ: وأنت بهذا ترفع مقام العلماء إلى الأنبياء المعصومين..!

مناقشة الأفكار في مجتمعاتنا لا تنفصلُ عن الأشخاصِ وهذه إشكاليةٌ كبرى وقعت فيها مجتمعاتنا، فصار إيثارُ الصمت في أفكار غير فاعلة، أو كما أسماه الفيلسوف مالك بن نبي" "صمت الأفكار الميتة" شائعاً ومحبّذاً..! الأمر الذي نتجَ عنه استبدادُ النقلِ على العقل، واستفحالِ الحفظِ على الفهم، وهو ما يعني التجني على العقل، إذ إن "حرمان العقل من وظيفة المراجعة عبر قتل ملكة النقد الذاتي مكّن من تكريس الأخطاء وتراكمها بل وإلقاء المسؤولية على الآخرين بإحياء آلية تبرئة الذات" كما يقول سلمان بونعمان في كتابه"التجربة اليابانية".

لهذا أصبحت مجتمعاتنا تربطُ صحّة الأفكار أو سقمها بالأشخاص من المشهورين أو الوجهاء أو العلماء أو أصحاب المناصب، أو أصحاب الأموال..! فإذا حدث أمرٌ لهؤلاء الرموز من حوادثِ الدهرِ من قبيلِ محنةٍ شخصيةٍ، أو فقدانِ منصبٍ، أو ضياعِ مال، لم تعد أفكارهم ذات قيمة وقد كانت كذلك في السابق..! وكانت تلقى رواجاً وذيوعاً واستشهاداً دون مراجعة، وتدقيق..!

إن المجتمعات العاطفية "تشخصن" الأفكار، فإن أحبّت الأشخاص أحبّت أفكارهم وإن كانت باطلا، وإن هي أبغضتهم، أبغضت كل ما يأتي منهم وإن كان حقّاً، على منوال الشاعر دريد بن الصمّة القائل:" وهل أنا إلاَّ من غزية إن غـوت/غويت، وإن ترشد غزيـة أرشد..!

لهذا فإن انقلبت الأمورُ بين النّاس في مجتمعاتنا، انقلبت معها التصورات والأفكار، فأصبح الذي كان بالأمس حسناً ورائقاً من الأفكار قبيحاً ومنفّراً اليوم لتغيّر العلاقة الشخصية..! هذا المنهج مخالفٌ للعقل بل ولأمر الله سبحانه وتعالى القائل في سورة المائدة: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ  وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا  اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ  وَاتَّقُوا اللَّهَ  إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)"

لقد أنتج مفهوم التعاطي مع الأشخاص لا التعاطي مع الأفكار شخصيات سطحية في مجتمعاتنا بحيث إنك تسمعُ الواحد يشيدُ بغيره ويهيلُ عليه من المحامدِ ما ليس فيه، فإن انقطع حبل المودة أو "المصلحة" بينهما سمعته وهو ينعته بأقبحِ الصفات، وأرذل السمات..! وهذه مصيبة العقول الصغيرة كما تصف ذلك  Eleanor Roosevelt بقولها: "العقول الكبيرة تناقش الأفكار، العقول المتوسطة تناقش الأحداث، العقول الصغيرة تناقش الأشخاص"..!

إن لدينا هلعاً من مناقشة الأفكار، وبدلاً من ذلك نتناقشُ في الأحداث، أو حول الأشخاص، فمناقشة الأفكار تتطلب أرضيّةً مكينةً من التعليم والتنشئة تقوم على الإنصات الشديد، والفهم العميق، والتحليل المتروي، والتفحُّص الدقيق، والصبرِ الحكيم، والإنصاف المترفع.. وهذه استراتيجية عظيمة لتغيير مفهوم التمركز حول الأشخاص إلى التمركز حول الأفكار..

في الغرب لا يسفرُ النقاش الحاد حول الأفكار عن عداوة شخصية، أما عند العرب فيستحيل ألا يسفر النقاش الحاد والاختلاف عن عداوةٍ تكشّر أنيابها، وتفضحُ ردّات أفعالها، وهذا ما نراه في حوارات من نحسبُ فيهم العلم والفكر والثقافة..! إن الكثير منهم لا يختلفون عن غيرهم في عدم قدرتهم على التمحور حول الأفكار لا الأشخاص وهذا يعود إلى توجيه العقل وتكريسه نحو النقل بدل تفعيل القوى النقدية فيه منذ نعومة أظفاره.

ليس من مناصٍ لنا إن أردنا تحرير العقل من تبعيته العمياء وراء كل شاردةٍ وواردةٍ سوى بتحفيزه نحو تفعيل "الوظيفة النقدية" فيه، فهذه الوظيفة هي التي تضمن استقلاله عن الإنجرار وراء الضلالات التي قادت الكثير من الشباب بحكم تربيتهم على الطاعة والولاء لشخوص بعينهم إلى أن يكونوا أشبه بالدّمى التي تتمنطق بالأحزمة الناسفة، وأسلحة التدمير لمجرّد نداءٍ خبيثٍ من رموز الفتنةِ والضلال..!

ليس لنا من مناص سوى تغيير مفاهيم الانقيادِ والتبعية التي تهدف إلى إحكام السيطرة والاستبداد بالعقول وذلك بتنشئةٍ ذات أُسس تقوم على التعاطي مع الأفكار، مع عدم إغفالِ تقدير الرموز العلمية والفكرية ولكن ليس إلى درجة القداسة والعصمة، وأخذ كل ما يردُ منهم أخذاً دون تفكير وتدقيق.

إذا أردنا أن ننشأ عقولاً حرّة فعلينا أن نوجّه هذه العقول للتفكير الصحيح الذي لا يرتهن إلى أيديلوجيات، أو انتماءات، أو أفكار مُسبقة، أو مسلّمات راسخة، وإنّما إلى النظر نحو الأفكار باستقلالية، والتحاور معها، ونقدها.. وهنا نستطيع فقط تغيير مفهوم التعاطي مع الأشخاص إلى مفهوم التعاطي مع الأفكار.. الأفكار وحدها.

ولا يفهم من هذا أيضاً عدم النظرِ إلى مصادر الفكرِ والشخوص التي تكمن وراءه، والآلة الإعلامية التي تروّج له، فهذا أمرٌ جديرٌ بالنظر فيه إذ إنه قد يكون في بعض الأحيان أشبه بدسِّ السمِّ في العسل، حيث يتجرّعهُ الإنسان بتلذّذٍ دون أن يستشعر السم حتى يغور في أحشائه..! كما أنه قد يكون "كلمة حقِّ يرادُ بها باطل".. أو أنه على وجه "المرأة الحسناءِ في المنبتِ السوء"..! لهذا فإن تحرّر العقلِ سيكفلُ له التحرّز من هذه المصادرِ، والحكم عليها، مما يبعده عن الانتصار للأفكار العظيمة التي تأتي من مصادرَ مشبوهة، أومنحرفة لها توجهات ذات أهداف تدميرية للإنسان.