السبت, 22 سبتمبر 2018

تفعيل دور الزكاة وكيفية القضاء على الفقر

العزري: الإسلام حثنا على الإنفاق ورغبنا في التصدق واغتنام ساعات العمر في فعل الخير

السبت 10 يونيو 2017 05:08 م بتوقيت مسقط

العزري: الإسلام حثنا على الإنفاق ورغبنا في التصدق واغتنام ساعات العمر في فعل الخير

مسقط - أحمد الجرداني

الإسلامُ يَسَع جميع القضايا، ويحل مُختلف النوازل؛ بدءا من الإنسان نفسه مرورا بواقعه؛ لذلك أوْلَى اهتمامَه بالنفس الإنسانية وإصلاحها أيَّما اهتمام؛ فالنفس بتزكيتها والارتقاء بطبيعتها تكون أقرب استعدادا لتلقي أوامر ربها والنزول إلى حكمه: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا"، وبهذا تظهر ميزة الحضارة الإيمانية الشاملة لانطلاقها من معرفة الإنسان لخالقه وتطبيقه لتعاليمه، وحينما تظهر آثار الإيمان في الإنسان يعم الخير بين البشرية ويشيع الحب والتضامن بينهم وتنتزع من قلوبهم البغضاء والأحقاد، وينطلق بذلك الإسلام إلى غاياته وأهدافه لبناء مجتمعات متماسكة قوية يحنو كبيرها علـى صغيرها ويعطف غنيها على فقيرها.

وفي هذا الصدد، أعدَّ الشيخ ناصر بن يوسف العزري مدير عام الوعظ والإرشاد، بحثاً قدمه لمجمع الفقه الإسلامي في الدورة الثامنة عشرة، ركَّز خلاله على شمولية الإسلام في معالجة الفقر؛ بقوله: الإسلامُ شمل جميع مناحي الحياة، فلم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا تكلم عنها، فهو منهاج متكامل شامل يشمل بتشريعاته كل زمان ومكان، فلا يقبل أي خلل في أي من مجالات الحياة فهو إيمان وعمل، عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة؛ لذا كان من أهداف الإسلام معالجة مختلف القضايا إذ يقول الحق المولى جل وعلا: "مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ".

والإسلام حينما يُصوِّر مناحي الحياة، ويجمع بين مختلف القضايا، يقرر أنَّ هذا الأمر ليس موكولا إلى تصورات الناس الذهنية والعقلية فلا يمكن لأي مسلم عاقل أن يتصور أن الإسلام معزول عن حوادث الزمان والمكان؛ فلا شأن له بتعاملات الناس، فهو إن تكلم عن أمور العبادة وفصل فيها تكلم عن المعاملات وبين مختلف طرائقها ومناحيها.

والعلماء هم المبلغون عن ربهم المبينون لأحكام شريعته الداعون إلى التمسك بأهداب دينه، ولا يزالون في كل زمان ومكان يبينون الأحكام ويفصِّلون النوازل والمستجدات بما يوافق الشريعة الإسلامية حتى لا يتركوا الناس وتطورات زمانهم في حيص بيص لا يدرون من أمر دينهم ما يذرونه وما يفعلونه. وقال العزري: حثَّ الإسلامُ على اغتنام جميع ساعات العمر في فعل الخيرات، مصداقا لحديث النبي صل الله عليه وسلم: "اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك"، ويبقى من هذا حكمة الإنسان وحسن استغلاله لساعات عمره فيضع الأشياء في مواضعها الصحيحة ومن جملتها المال الذي به قوام الحياة.

وقد قَضَى اللهُ تعالى بامتحان النفس لبيان صدقها بدعوتها إلى التصدق بجزء من هذا المال؛ فحثَّ على الإنفاق، ورغَّب في التصدُّق ليختبر صدق الإنسان من كذبه، وما سميت الصدقة بهذا الاسم إلا لتبيين هذا المدلول.         

وحب المال طبيعة بشرية أشار إليه القرآن وحكم به الواقع: "وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا"؛ لذا حذر الإسلام من داء الشح والبخل:"وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، ولأجل أن يرتفع بالنفس من الوقوع في هذه المزالق أمر بتزكيتها وتعويدها على البذل والإنفاق.

طلب الغنى والضرب في الأرض

وفي هذا المجال، يقول الشيخ ناصر: ومع هذا كله لم يمنع الإنسان من طلب الغنى والرزق والضرب في الأرض، بل حبب إليه ذلك، وجعل الغنى نعمة عظيمة من المولى -عزَّ وجل- لعباده؛ حيث يقول المولى جل وعلا: "وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى". وفي صحيح مسلم، كان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى"، وليس معنى ذلك أن يلهث الإنسان وراء المادة من غير نظر إلى حلالها وحرامها؛ إذ سعيه لا بد أن يكون مقرونا بشرع الله مرسوما بنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لهذا يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: "نِعْم المال الصالح للرجل الصالح"، وبجانب هذا حذر من الفقر وعدَّه آفة عظيمة ومعضلة جسيمة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتعوَّذ منه فيقول: "وأعوذ بك من فتنة الفقر".

وَحِيْنَما يتصوَّر الإنسانُ قضية الفقر، ويُدرك النظرة الصحيحة إليها، ويعلم هذه الموازنة الدقيقة للإسلام، يستطيع أن يُحدِّد التصرُّفات الصحيحة التي يَدَرَأ بها عن نفسه شبح الفقر؛ لذلك حثَّ الإسلامُ على العمل والسعي والتجارة والزراعة...وغيرها؛ ليرفع المسلم من نفسه، ويرتفع بها عن دائرة الطلب إلى دائرة التعفف الشريف.

والإسلامُ حينما يحثُّ على الإنفاق والبذل والصدقة لم يترك مجالا في نفس المنفق أن يظن فيه الخير لنفسه فيصل به إلى أذية غيره، فكل تصرف يخرج المال عن الغاية المرجوة تبطل عمله وتذهب بأجره، وهكذا حينما أمر الله تعالى بزكاة هذا المال كان المراد منه تزكية هذه النفس وتطهيرها من الشح والبخل والأثرة؛ فالمال مال الله والإنسان مستخلف فيه والإسلام حينما يقرر ذلك يجعل المال بين الغني والفقير على السواء؛ فالأول يفتح به أبواب الجنة، والآخر يسير به شؤون حياته ليصل في النهاية إلى رضوان الله تعالى أيضا. وفي هذا المقام، يقول شيخنا العلامة أحمد بن حمد الخليلي: "إن نظرة الإسلام إلى المال تباين نظرة جميع الأنظمة البشرية، فهو وإن منح الإنسان حقَّ التملك لا يجعله مالكاً حقيقياً للمال، لذلك لا يمنحه حقَّ مطلق التصرف فيه، وإنما مالكه الحقيقي هو الله؛ لذلك كان التصرف فيه مقروناً بإذنه، وهذا ما يفهم من قوله تعالى:"وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ"، وقوله: "وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ"، وهو يعني أن الإنسان لا يعدو أن يكون أميناً على المال ومستخلفاً فيه، ومن المعلوم أنَّ الاستخلاف يقتضي عدم تصرف الخليفة فيما استخلف فيه إلا بحسب توجيهات من استخلفه؛ لهذا لم يطلق الإسلام يد الإنسان لاكتساب المال أو إنفاقه وفق رغبات نفسه، بل وفق إذن ربه، وهذا ما يدل عليه حديث أبي برزة الأسلمي مرفوعاً عند الترمذي: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس... إلى أن قال: وعن ماله مم اكتسبه وفيم أنفقه؟".

وحول إرساء التكافل يقول الباحث: هدف الإسلام من ذلك كله أن يرسي التكافل الاجتماعي بين الناس؛ لذلك كان لتوزيع المال أهمية بارزة في نظامه لأجل الحفاظ على اقتصاد المجتمعات الإسلامية وبعدا عن تكدسه بين فئات من الناس فقط يقول المولى جل وعلا: "مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ". فتملك المال الفردي محدود بنظام الإسلام وحكره على الأغنياء ليكون دولة بينهم يعد شذوذا عنه؛ لذلك أمر الإسلام بالزكاة، ورغب فيها، وحذر من التهاون في تركها.

لذلك؛ نَجِد النصوصَ الكثيرةَ في كتاب الله عزَّ وجل وفي سُنَّة نبيه مُحمَّد -صلى الله عليه وسلم- تتضافر في بيان هذا المقصود، وتحذر من الوقوع في المحذور، والقارئ لتلك النصوص يجد المقصدَ الأساس من الزكاة التكافل بين أبناء المجتمع بمحاربة الفقر والسمو بالنفس ورفعها عن حضيض شهوات الدنيا الفانية، مع تنفيذ أوامر الله عز وجل فيها، والقرآن والسنة مشحونان بالأدلة لبيان هذه الغاية.

وإذا كان مجال الزكاة وأساسها المبنية عليه هو ذاك، وإن مجال اجتهاد الفقهاء هو لأجل بيان هذا المقصد، فمسائل الزكاة من مُبتدئها إلى منتهاها قائمة على هذا الشأن؛ فالعلماء وضعوا الشروط، وشرحوها، وبيَّنوا الأحكام وفصلوها، وقعدوا القواعد وقيدوها، إلا لأجل الوصول إلى هذا الغرض.

ونجد أنْ لا مُخْلِص من تتبع جميع فروع الزكاة؛ إذ لا تخلو تلك الاجتهادات كما قدَّمت مُختلف فروع الزكاة؛ فالغرض الأسمى والمقصد الشرعي من الزكاة محاربة الفقر. وبالنظر في مادة الزكاة من حيث مدلولها اللفظي، نجد هذا المقصد ظاهر البيان جلي العيان، كما بَيَّن أهل اللغة في كتبهم.

فهذا صاحبُ "العين" يقول: "الزَّكَوات: جمع الزّكاة. والزَّكاة: زكاة المال، وهو تطهيره. زكَّى يُزَكّي تزكيةً، والزكاة: الصلاح. تقول: رجل زكيٌّ تقي، ورجال أزكياءُ أتقياء. وزَكَا الزرع يَزْكُو زَكاءً: ازداد ونما، وكل شيء ازداد ونما فهو يزكو زَكاءً".

فالعلماء حين يتكلمون عن الزكاة لا ينسون هذا الغرض؛ لذا بنى كثير منهم أحكامه عليه، فذكر ما قاله أهل العلم من اجتهادات فقهية هو ذكر لجميع فروع الزكاة المختلفة مما يصل بنا إلى مؤلف في الزكاة؛ إذ معنى هذا الكلام أن يذكر الباحث زكاة الذهب والفضة وما تفرع عنهما من مسائل، وهكذا زكاة الأنعام والحرث والتجارة...وغيرها؛ إذ لا تخلو هذه الأحكام من اختلاف بين أهل العلم وكل له حجته في ذلك.

غَيْر أنَّ هناك بعضَ المسائل المهمة هي أقرب من غيرها إلى النوازل الشريعة المستجدة، وأكثر توافقا مع معطيات العصر في نظري، والتي ينبغي دراستها والتي لها علاقة قريبة بمفهوم محاربة الفقر.