الخميس, 15 نوفمبر 2018

سياسيون ومثقفون: أمريكا دولة مؤسسات.. وترامب لن يصدر قرارا دون موافقة الكونجرس

السبت 21 يناير 2017 08:54 م بتوقيت مسقط

سياسيون ومثقفون: أمريكا دولة مؤسسات.. وترامب لن يصدر قرارا دون موافقة الكونجرس

≤ مادة هزلية تخفف من ثقل دم المشهد السياسي العام.. وتصريحاته العنصرية فرقعة انتخابية ستوضع على الرف

أجْمَع سياسيون ومثقفون على أنَّ التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقراراته التي أعلن أنَّه بصدد اتخاذها، والتي أثارت جدلاً وتخوُّفات لدى الكثيرين، لن تجد طريقها إلى التنفيذ، إلا إذا مُرِّرت عن طريق الكونجرس الأمريكي؛ سواء كان القرار يتعلق بالمصالح العليا للولايات المتحدة أو أية شؤون أخرى؛ بما في ذلك محاربة الإرهاب أو السياسة الانكفائية التي أعلن عنها. مشيرين إلى أنَّ ترامب لا يُعدُّ استثناءً في التاريخ الأمريكي؛ حيث سبقه إلى كرسي الرئاسة الكثيرون ممن يشبهونه، إلا أنَّهم تقيَّدوا بخطط وسياسات موضوعة مسبقاً ما على الرئيس إلا تنفيذها وعدم الخروج عليها، وأنَّ معظم الآراء التي طرحها مصدرها عقليته الاقتصادية.

الرُّؤية - مدرين المكتوميَّة - مُحمَّد قنات

وقال صالح المسكري إنَّ أمريكا دولة مؤسسات، وتتمتع بنظام رئاسي دقيق، وفصل تام بين السلطات، وهي أكبر من شخص الرئيس في حد ذاته؛ فالرئيس الأمريكي لا يستطيع أن يصدر قرارا إداريًّا أو ماليًّا في البيت الأبيض دون المرور بمؤسسة الكونجرس، فما بالكم بالقرارات التي تتعلق بالمصالح العليا للولايات المتحدة الامريكية؟ مثل هذه القرارات مؤسسية الرئيس مجرد طرف فيها بما في ذلك محاربة الإرهاب وما يسمى بالتطرف الإسلامي.. وأضاف: من التوقع أن يحدث ترامب الرئيس الخامس والأربعون نقلة مهمة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، وأيضاً في دائرة التحالفات العالمية لمصلحة أمريكا اولاً، خاصة وأنَّ الشارع الأمريكي محبط من سوء إدارة الملفات الكبرى في الحكومات السابقة، ويشعر بأنه يخسر كثيرا من تفاقم المشاكل التي خلَّفتها إدارة الرئيس السابق بارك أوباما المتردِّدة وغير الحاسمة في الشرق الأوسط، وعدم استطاعته خلال فترتين سابقتين لبقائه في البيت الأبيض من كسب السوق الاقتصادية المتنامية في آسيا وإنهاء الخلاف المزمن مع روسيا.

وتابع بأنَّ الشعب الأمريكي ملَّ كثيرا من تدخلات بلاده الخارجية التي تسيء لسمعة أمريكا، وتخلق لها المزيد من العداوات حول العالم، وتكلفها عبئاً ماليا ثقيلا على حساب رفاهية المواطن الأمريكي؛ لذلك فإنَّه من المتوقع أن يفي الرئيس ترامب بوعوده الانتخابية، ويركز على الشان الداخلي وعلى مصالح الشعب الأمريكي ومعيشته اليومية وأمنه واستقراره.

وأوضح عبدالله بن علي العليان كاتب وباحث، أنَّه وبعد تولي الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، هناك توجُّس من سياساته عند المواطنين الأمريكيين، والأقرباء الأوروبيين، صحيح أنَّه ركز في خطابه عند تسلمه الرئاسة على الوضع الداخلي الأمريكي، وإصلاح الوضع الاقتصادي والاجتماعي لبلاده، وإعادة مكانتها التي تراجعت في السنوات الماضية، وهذه الآراء التي طرحها تنبع من عقليته الاقتصادي، وهى رؤية خاصة به في المقام الأول وبالجمهوريين كحزب محافظ. أما ما قاله عن التطرف الإسلامي العنيف، فهذا ليس جديدا منذ رئاسة جورج بوش الابن.

وأضاف: أعتقد هذه المواقف الأمريكية المقبلة في سياسة الرئيس ترامب، لن تخرج كثيراً عن الثوابت التي عرفتها الولايات المتحدة، ولكن هناك تغييرات سوف تبرز، لكن التوقعات أن الخلاف مع إيران سوف يظهر، لربما بسبب -كما يقال- أن بعض السياسيين من الحزب الجمهوري، ليسوا راضين عن الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران، لكن تظل الولايات المتحدة دولة تحكمها مؤسسات كبيرة، وخبراء صنع القرار...وغيرها من المؤسسات التي تضع تحركاتها وفق ثوابت سياسية، وليس وفق توجهات أفراد مهما كانت مكانتهم؛ فهي تقدِّم مصالحها على الكثير من العلاقات السياسية مع العالم الخارجي.

من جانبه، قال محمد الفطيسي رئيس تحرير مجلة السياسي والباحث في الشؤون السياسية والدولية بالمعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية، إنَّ تفكيك السيرة الذاتية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ نشأته الأولى وحتى نجاحه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والتي يمكن الاطلاع عليها عبر العديد من الكتب والدراسات والمواقع الإلكترونية التي تناولت حياته الخاصة والعامة، يُلاحظ أنها تحفل بخليط يتناقض وصفات ومتطلبات رجل السياسة والدبلوماسية والعلاقات العامة، خصوصا عندما تقود وتوجه سياسات وتوجهات دولة عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية، مع التأكيد على أنَّ هذا النوع من الشخصيات لا يعد استثناءً في التاريخ الأمريكي؛ حيث سبقه إلى كرسي الرئاسة من أمثال شخصيته هذه العديد من الرؤساء كبوش الابن على سبيل المثال.

وأضاف: بقراءة سيكوسياسية لأبرز الصفات التي طَغَت على شخصيته منذ صغره، يُلاحظ أنَّ ترامب يتَّصف بسرعة الغضب والانفعال الشديد في ردود الأفعال تجاه العديد من القضايا التي واجهته في حياته العملية والأكاديمية، كما أنَّه يتصف باستخدام العنف في السلوكيات مع الأصدقاء والعصبية في الكثير من التصرفات خصوصا مع زملاء الدراسة والعمل. يضاف إلى ذلك خليط من الغرور والسخط على الآخرين خصوصا الأشخاص الناجحين من حوله. لا يعترف بالأخطاء ومتعصب لأفكاره كثيرا. لا يثق بالآخرين، مُشاغب ويحب الانتقام، مع الإشارة إلى جانب هو بحد ذاته يعدُّ نوعًا من التناقض مع تلك السلوكيات الشخصية نفسها؛ بحيث يستغرب أن تحملها شخصية واحدة في نفس الوقت، وهي حبه للفن والموسيقى والسينما والغناء، وكذلك امتناعه عن التدخين وشرب الكحول.

وتابع الفطيسي: ومن جانب آخر، يحمل ترامب صفات نفسية شديدة العنف الجسدي كحبه لرياضة المصارعة، وكذلك التشدُّد والعنف الذهني من خلال تطرف الأفكار والكراهية للآخر غير الأمريكي، يضاف إلى ذلك أنَّه من الشخصيات التي تحمل بين جنباتها نوع من حب الذات المريضة والتعصب الشخصي من جهة، وكذلك التعصب الوطني والقومي الشعوبي من جهة أخرى، والذي يُمكن تأكيده والاطلاع عليه من خلال مؤلفاته وكتبه ككتاب البقاء في الأعلى وكيف تصبح غنياً وكتاب لن أستسلم أبداً: كيف واجهت أكبر التحديات في النجاح، وآخر كتبه: "أمريكا المريضة.. كيف نستعيد عظمة أمريكا"، وقد أشار إلى هذا الجانب خصوصا المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي في قوله إنَّ صعود ترامب يمثل أحد العوامل التي دفعتها الشعوبية المستبدة والقومية المتطرفة إلى كرسي السلطة والرئاسة. كلُّ هذه الصفات الشخصية والسلوكيات والتصرفات النفسية تعطي انطباعا مقلقا كثيرا حيال انعكاساتها على شخصية ترامب كرئيس قادم لأقوى دولة في العالم، والتي تتعامل مباشرة مع الآلاف من القضايا الدولية الحساسة والخطيرة.

واستطرد: رغم ذلك، فإنَّني، ومن وجهة نظري الشخصية، أتصوَّر أنَّ السنوات الرئاسية لترامب ستحفل بالكثير من المفاجآت العابرة للحدود الوطنية للعديد من دول العالم وملفاته السياسية والاقتصادية، خصوصا دول الشرق الأوسط، وعلى وجه التحديد الملفين العراقي والسوري، اللذين أعتقد أنهما سيلامسان خلال الشهور المقبلة نوعا من التوجه الأمريكي غير المعتاد حيالهما، مع سيناريو دولي لا أتصور أنه سيخرج عن خليط من القلق والاستفزازات والضغوط السياسية الدولية التي ستوجهها وترسم ملامحها انطباعات وسلوكيات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكادره الرئاسي المتعصب حيال العديد من الملفات السياسية والاقتصادية؛ وعلى رأسها: ملف الصراع العربي-الإسرائيلي، وكذلك علاقة الولايات المتحدة مع بعض دول الشرق الأوسط والخليج العربي التي يجب أن تحتاط للأسوأ في مقبل الأيام. لذا؛ يُمكن تصنيف شخصيته وفق تصنيف باربر الشهير للرؤساء الأمريكيين بأنه من الشخصيات التي سيسيطر أو يهيمن عليها النمط الفاعل-السلبي؛ حيث يملك صاحب هذا النمط طاقة شخصية عالية، لكنها موجّهة في كفاح قهري لا متعة فيه.

وتابع بأنَّ عالم السياسة بروس بوكانان يرى أنَّ الرؤساء الأمريكيين بلا استثناء يواجهون أربعة تحديات أساسية تعترض مدة إقامتهم في البيت الأبيض؛ أولا: المجد المفرط؛ حيث يكثر المادحون والمتزلفون حولهم، وتتحول المعارضة إلى مفاجأة يستجيب لها البعض بالغضب حيث يزداد الغضب مع ازدياد القناعة بأقوال المادحين وإجهاد القرارات، وهذا التحدي الأخطر الذي سيواجهه ترامب خصوصا إذا ما أخذنا في الحسبان أنه من الشخصيات التي تتصف بحب الذات والظهور الاعلامي والبروز الشخصي وعدم الثقة في الآخرين وكذلك عدم الاعتراف بالأخطاء، وهو ما سينعكس سلبا على بعض الملفات الدولية التي سيعتريها مزاجية التصرف وعدم التحيز في الطرح كما هي حال الملف النووي الإيراني الذي سيعاد فتحه بطريقة مقلقة ومستفزة لا يستبعد أن تأخذ طابع الانتهازية. أما التحدي الثاني، والذي سيواجهه الرئيس ترامب، فهو العراقيل والحواجز المؤدية للإحباطات وكيفية التعامل معها. من حيث معرفة متى يحارب ومتى ينسحب؟ وهل هو قادر على تحمّل الفشل وهضمه؟ وفي هذا السياق كذلك, هناك جانب خطير في شخصية ترامب الرئاسية لا يساعد على تحييد القرارات والبعد عن العاطفة والانفعال؛ حيث وكما سبق وأشرنا إلى أنَّه شديد السخط والامتعاض وسريع الإحباط. أما التوفيق بين أجنحة إدارته فهو التحدي الثالث في مواجهة الرئيس. ونقصد به أسلوب الإدارة التي غالبا ما تواجه الرئيس بمطالب متناقضة، حيث يجب أن يملك الرئيس القدرة على التوفيق بين هذه القدرة من المتناقضات. وهو التوفيق الذي فشل فيه جيمي كارتر لتدخله الزائد لدرجة التورط. كما فشل فيه ريجان بسبب تراجعه وعدم تدخله بالمستوى المطلوب، وهو ما نتوقَّع أن ينطبق على ترامب في موجهة العديد من الملفات والقضايا الدولية القادمة، خصوصا حيال الملف الكوري الشمالي الذي سيحاول ترامب مواجهته بشيء من القوة المدفوعة بحب البروز والظهور الاعلامي الهادف لترك بصمة ما له في التاريخ الأمريكي، كما أتوقع بروز خلافات صينية أمريكية قادمة. وأخيرا: الإغراءات الضخمة، وهي التحدي الرابع للرئيس الذي يؤكد عليه عالم السياسة الأمريكي بروس بوكانان من جامعة تكساس، ويعطي بوكانان مثالا على هذا النوع من التحديات في شخصية الرئيس الأمريكي السابق جونسون الذي رغب في تحقيق برامجه الاجتماعية مشروع المجتمع الكبير، وأن ينتصر في فييتنام في آن معا. لكن الكونجرس لم يكن مستعدا لتمويل الاثنين معا. كما أنَّ ريجان كان مستميتا لتحرير الرهائن الأمريكيين ولم يكن مستعدا لإجراء أية مقايضة مع الزعماء الإيرانيين. وفي كلتا الحالتين، فإن فشل الرئيسيين في تحقيق إغراء الحصول على هدفين في آن واحد قد دفعهما إلى الكذب. كما أنَّ هناك جملة من العوامل تؤثر في أسلوب مواجهة الرئيس لهذه التحديات، كمجموعات المصالح التي يقع على رأسها منظمة آيباك والحزب المسيطر على الكونجرس والمحكمة العليا، وكذلك الدعم الشعبي، وأخيرا أجواء التوقع والتي تذكيها الصحافة ووسائل الإعلام من حوله، وهو أمر سيغلب كثيرا على شخصية ترامب المحب للظهور والشهرة والتفاخر والأضواء.

ويقول دكتور أنور الرواس: ترامب رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم، يجب أن يدرك الجميع أنه يعمل وفق منظومة مؤسساتية تحكمها النظم والقوانين، وإدارة ترامب ستعمل وفق النظم المخطط لها، وقد تراجع السياسات الخاصة بالإدارة السابقة، إلا أنَّ ترامب لديه برنامج مُعْلَن يركز فيه على الشأن الداخلي؛ حيث سيكرس معظم توجهاته للارتقاء بالاقتصاد الوطني وإيجاد وظائف في كثير من القطاعات. ولكن: هل باستطاعته تنفيذ الوعود؟ أعتقد أنَّ هذا سابق لأوانه ولا يزال الأمر مبكرا للحكم، التصريحات والوعود عادة ما تكون قبل تسلم زمام الأمور ولكن آلية تنفيذها بعد الاستلام هذا ما ستكشفه المرحلة المقبلة. وكما ذكرت آنفا فإنَّ فريق ترامب سيراجع السياسة الخارجية وقد يكيِّفها أكثر لمصالحهم، وسيعمل على تقليل التكاليف، وسيحمل الدول التي تطلب المساعدة.. وهذا ما أعلنه ترامب في أكثر من موقف. وأعتقد أنَّ علينا الانتظار حتى مرور 100 يوم للرئيس في المكتب البيضاوي، وعلى ضوء ذلك يمكن بناء قراءة جديدة لمسار السياسة الخارجية الأمريكية.

في حين قال الشاعر والكاتب عبدالرزاق الربيعي: بعيدا عن الصورة الكاريكاتيرية التي رسمها ترامب لنفسه، وسوقها لوسائل الإعلام، خلال حملته الانتخابية من أجل كسب المزيد من الأصوات، ومغادرة برجه بعد أن تسرب إلى روحه الملل منه، للإقامة في البيت الأبيض، أرى أن ترامب لن يخرج كثيرا عن الخطوط المرسومة من قبل المؤسسات المسؤولة عن صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، مع لمسات خفيفة لذر الرماد في عيون الناخبين، وأخرى هزلية توفر مادة دسمة لوسائل الإعلام، تخفف من ثقل دم المشهد السياسي العام، لذا، لا أنظر لتصريحاته العنصرية إلا كونها فرقعة انتخابية، وستوضع على الرف مثل الكثير منها بانتظار كلمة صانعي القرار.

وأضاف: أما عن جهود يترقبها العاملون له في مجال صناعة السينما، والمشتغلون في النقد الفني، فلا أتوقع شيئا، فقد سبقه ريجان إلى دفة الرئاسة الأمريكية، وكان قد عمل في هوليوود، وما إن دخل البيت الأبيض حتى وجد ملفات كثيرة، وسيناريوهات سياسية أهم بكثير من تضييع وقته في قراءة سيناريو فيلم سينمائي يعرض في قاعة غارقة في الظلام، لكن هذا الموقع سيوقد لدى ترامب الرغبة للوقوف أمام الكاميرا لأداء أدوار سياسية على الواقع في عالم تحكمه وسائل الإعلام.