الثلاثاء, 25 سبتمبر 2018

مقال : كلنا "تنفيذ"

الثلاثاء 17 يناير 2017 10:00 م بتوقيت مسقط

 

د. سليمان المحذوري

 

على مدى ثلاثة أيام 28-30 نوفمبر المنصرم عقد معرض مخرجات حلقات العمل "المختبرات" بمركز عمان الدولي للمعارض؛ حيث اطّلع زوار المعرض على نتائج حلقات النقاش لبرنامج تعزيز التنويع الاقتصادي "تنفيذ" التي استمرت مدة ستة أسابيع بمشاركة القطاعين العام والخاص إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني.

وفي آخر يوم من المعرض أتيحت لي فرصة زيارة مخرجات "تنفيذ". وأثناء تجوالي في المعرض همست في أذن زميلي قائلا: شخصيا أتمنى أن تستمر أزمة النفط هذه! فقال لي: لماذا هذا التشاؤم؟ فأجبته ألم تسمع بالمثل "صبر يوم ولا وجع دوم"، و "من رحم المعاناة يولد الأمل"، فقال: بلى، فأردفت هذه الأزمة- رغم مرارتها- ستجبرنا على مراجعة سياستنا الاقتصادية حتى نقف على أوجه القصور، وبالتالي تصحيح مساراتنا ضمانا لمستقبل الأجيال القادمة. ومن المعلوم يا صديقي أنّ هذه الأزمة النفطية هي ليست الأولى، كما أنّ المناداة بتنويع مصادر الدخل، وعدم الاعتماد على النفط سمعناه غير ذي مرة خلال الخطط الخمسية السابقة ولكننا لم ننجح في مبتغانا.

وكنتيجة مباشرة- كما ترى- أنّه لانخفاض الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة بسبب انخفاض أسعار النفط انبثقت فكرة "تنفيذ" من أجل التأكيد على مسألة التنويع الاقتصادي. حيث تمخّض هذا المشروع عن ولادة ما يربو على 121 مشروعا قابلا للتنفيذ اتكاء على التجربة الماليزية في إدارة الأداء والتحول الحكومي والاقتصادي، إلى جانب الاستفادة من تجارب دول أخرى في هذا الجانب. وحسب المأمول سيتم تمويل هذه المشاريع والمبادرات بنسبة 86% من القطاع الخاص، و14% من القطاع العام. ورغم وردية هذا الحلم؛ بيد أنّه لا بد لنا من ضمانات على أن يقوم القطاع الخاص بما هو متوقع منه وأن يتحلى بالمسؤولية تجاه المطلوب، والسؤال المطروح هنا هل القطاع الخاص مستعد لذلك؟

وبالنظر إلى المبادرات المعروضة نجد أنّها تمحورت حول خمسة قطاعات رئيسية وهي: قطاع الصناعات التحويلية، وقطاع السياحة، والقطاع اللوجستي، فضلا عن قطاع المالية والتمويل، وقطاع سوق العمل والتشغيل. وهذه القطاعات المستهدفة لا يختلف اثنان على أهميتها في رفد الاقتصاد الوطني وتنويعه؛ إلا أنّ اللافت للنظر غياب التعليم عن هذه المنظومة، وفي تقديري أنّ التعليم بمختلف مراحله سواء كان التعليم العام أو العالي يعد ركنا أساسيا لا ينبغي إغفاله أو إرجاؤه. فهذه القطاعات إن لم يواكبها تعليم نوعي، وتخريج كفاءات وطنية مؤهلة ومدربة؛ فإنّه من الصعوبة بمكان تحقيق الأهداف المرجوة من " تنفيذ".

كما أنّه من المؤمّل أن تسهم هذه المبادرات في توفير نحو 30 ألف فرصة عمل، وهذا مؤشر جيد إن أخذ في الاعتبار تزايد أعداد الباحثين عن عمل، فالإحصائيات الرسمية تتوقع دخول حوالي 44 ألف من العمانيين سنويا إلى سوق العمل خلال الفترة 2016-2020. وبرأيي من الآن فصاعدا لا بد من التركيز على الوظائف النوعية والعليا لشغلها من قبل الكوادر العمانية المؤهلة وتمكينها. وبيان وزير القوى العاملة الذي ألقاه في مجلس الشورى يوم الأحد 15 يناير الجاري غير بعيد عنا حيث أشار وبوضوح إلى أنّ العمالة الوافدة تستحوذ على 77% من إجمالي الوظائف العليا في القطاع الخاص، وهذا مؤشر خطير ينبغي الاشتغال عليه خلال الفترة القادمة من قبل "تنفيذ" والجهات ذات الصلة.   

ومن الأمور التي لفتت انتباهي كذلك كثمرة من ثمار "تنفيذ" اقتراح سياسة توظيف مرتبطة بالدوام الجزئي والمؤقت، وتعزيز حركة انتقال القوى العاملة لأجل سد الفجوة بين العرض والطلب في قطاع العمل. ومن وجهة نظري سيسهم هذا المقترح – إن تم اقراره- في توفير فرص وظيفية بدوام جزئي وتحت إطار قانوني؛ وبالتالي سيتم خلق فرص وظيفية يمكن أن يستفيد منها طلاب الجامعات والكليات، وكذلك الباحثين عن عمل ريثما يجدون وظائف مناسبة بدوام كامل خاصة إذا من علمنا أنّ الإحصائيات الرسمية تذكر أنّ متوسط الوقت لبقاء الباحثين عن العمل ضمن قاعدة البيانات هو (3.5 سنوات). كما أنّ العنصر النسائي خاصة ممن يجدن صعوبة في الالتزام بساعات عمل طويلة مرهقة على حساب الأسرة؛ مرونة هذا النظام سيساعد إلى حد كبير على المواءمة بين العمل والظروف الأسرية. إلى جانب ذلك يمكن أن يتيح هذا النظام فرصا وظيفية إضافية لتحسين الدخل الشهري لفئة أخرى من المجتمع. وفي المقابل سيخدم هذا النظام مؤسسات القطاع الخاص التي لا ترغب في تعيين موظفين بدوام كامل لإنجاز بعض مهام العمل، وكذلك اختيار كوادر مناسبة لهذه المؤسسات من موظفي الدوام الجزئي.   

وفي الختام كلنا أمل وتفاؤل في "تنفيذ" ومن المفرح هذه المرة صدور المرسوم السلطاني 50/2016 بإنشاء وحدة دعم التنفيذ والمتابعة التي ستتولى مسؤولية متابعة "تنفيذ" وما تمخضت عنه تلك المخرجات والنتائج السالفة الذكر. وبالتالي ضمان وجود جهة واحدة ومظلة واحدة أوكلت إليها مهام متابعة عمليات التنفيذ ومراقبة الأداء بدلا من ركل الكرة كل في ملعب الآخر كما كان يحدث سابقا، والتنصّل من المسؤولية بسبب التداخل والازدواجية بين الجهات ذات العلاقة بتنفيذ الخطط المعدة في شأن التنويع الاقتصادي.

[email protected]