فنون إدارة العمالة الوافدة

 

 

علي المعشني

وفق الإحصائيات الرسمية المتواترة، يوجد لدينا ما يقارب المليون وثمانمائة ألف عامل وافد، في القطاعين العام والخاص ومن جنسيات مختلفة أغلبها آسيوية. الغريب في أمرنا في سلطنتنا الحبيبة وأقطار مجلس التعاون أننا ننظر إلى وجود هذه العمالة بيننا على أنها محنة كبرى وكارثة حلت بنا وبأوطاننا وثرواتنا وأخلاقنا، والأغرب من ذلك أننا لا نجد قرارًا واحدًا يتسم بالذكاء والحيوية للتقليل من آثار هذا التذمر، وجعل منسوب المخاوف في حدها الأدنى والمعقول؛ فالملاحظ أن البلبلة هي سيدة الموقف ويرتفع منسوبها بحجم تدفق العمالة وازديادها؛ وبالتالي فلا البلبة توقفت ولا حركة تدفق العمالة قلت وساد الضجيج والصخب؛ لأننا بصريح العبارة -وبعد هذه العقود من تجربة استقدام العمالة الوافدة لحاجاتنا التنموية والاقتصادية والاجتماعية- ما زلنا نعمل بلا فلسفة واضحة تجاه هذا القطاع؛ أي ما زلنا لم نعلم عن حاجاتنا الفعلية لهذه العمالة وكيفية إدارة هذا المورد البشري الهائل خارج إطار الروتين المتناسل منذ عقود، وهو رسوم بطاقة وتجديد وغرامات مخالفة قانون العمل، يضاف إلى ذلك حرصنا غير المبرر على إغراق السوق بعمالة غير ماهرة ومن جنسيات بعينها دون اكتراث أو مراجعة لتصويب الأخطاء وتنشيط سوق العمل بعمالة متعددة الجنسيات ومختلفة الثقافات لتحقيق التنافسية ورفع جودة الخدمات وتحقيق قيمة مضافة من هذا المورد البشري الهائل للإقتصاد الوطني.

وفي ظل غياب فلسفة سوق العمل، سنبقى نعمل عشوائيا ونعيد إنتاج الفشل ونتعامل مع النتائج، ونجهل الأسباب، ونخوض حروبًا وهمية غير مفهومة ولا مبررة مع أناس جلبناهم بمحض إرادتنا وتحت مظلة تشريعاتنا ولحاجاتنا التنموية الماسة، ثم جعلنا منهم كارثة ومصدر جريمة وخطرا وجوديا يُنذر بزوالنا ومسخنا، مع أن الواقع يقول بأن العمالة الوافدة هم الحلقة الأضعف في هذا الصراع المفتعل؛ كونها تحت رحمة القوانين والكفيل، وتحت أنظار ومراقبة المؤسسات الرسمية، وفوق كل هذا فهي الأقل دخلًا في الغالب الأعم، والأكثر أمية وثقافة في الشرائح السكانية؛ فالإحصاءآت تقول بأنَّ ما يقارب الـ 8% من هذه العمالة لا تقرأ ولا تكتب أي بمعنى أنها فاقدة للحصانة الثقافية والمعرفية؛ وبالتالي فهي عُرضة للتأثر ببيئة عملها من لغة ودين وتقاليد إلى حد كبير.

طرحت منذ أيام على أصدقاء في مجموعات التواصل الاجتماعي سؤالا افتراضيا مفاده: هل السماح للوافد باصطحاب عائلته سيدفع بعجلة الاقتصاد ويحد من حجم تحويل الأموال إلى الخارج؟ وما هي الآثار السلبية المتوقعة لهكذا قرار؟

فمن المعلوم أن التحويلات المالية للعمالة الوافدة بلغت 4 مليارات ريال عُماني سنويًا، وهي بازدياد مع تدفق المستثمرين الذين أغرقوا السوق في المجمعات التجارية ومحلات المواد الغذائية والتسوق الكبرى، والتي قضت على التعمين في أنشطة عديدة، وعلى رأسها نشاط المواد الغذائية، وقضت تدريجيًّا على الأنشطة التجارية الأخرى والتي لا تستطيع المنافسة مقابل مستثمر يضخ الملايين ويحضى بكل المقومات المادية والمعنوية والتشريعية ويمكنه الاحتكار والإغراق والتحكم بآلية السوق كما يشاء.

وتفاوتت الإجابات على السؤال أعلاه، وإن تركزت أغلبها على تأييد قرار كهذا خدمة للاقتصاد الوطني، وتفرد القلة الواعية في التحذير من مغبة الإخلال السكاني والضغط الكبير على قطاع الخدمات والبنية الأساسية فيما لو افترضنا أن كل وافد اصطحب معه 3 أفراد فقط من أسرته لتضاعف عدد الوافدين تلقائيًا إلى أربعة أضعاف.

لا شك أننا بحاجة ماسة اليوم -وأكثر من أي وقت مضى- إلى سياسات جديدة وفاعلة وذكية لإدارة هذا المورد البشري الهائل والشريحة السكانية الكبيرة بطرق غير مألوفة لتحقيق المزيد من الرخاء الاقتصادي للوطن والمواطن، والحد من الآثار السالبة للعمالة الوافدة المهنية منها والأخلاقية والقانونية وذلك عبر التالي:

1- توفير قاعدة بيانات فاعلة وعصرية بأعداد الوافدين وجنسياتهم ومهنهم الحقيقية، العامل منهم والعاطل والمتسرب، والعمل على تدوير الصالح منهم في سوق العمل بدلًا من المزيد من الجلب من الخارج.

2- العمل بنظام الإعارة للعمالة بين الأنشطة في الظروف العادية أو الموسمية؛ حيث إنَّ بعض الأنشطة تتوقف أو تتعطل نتيجة غياب عمالة لها وعدم وجود البديل أو السماح لها بذلك، كما أن هناك أنشطة تحتاج في مواسم بعينها كموسم الخريف مثلًا بمحافظة ظفار إلى أعداد أكثر من العمالة لتواكب التدفق الكبير من السواح للمحافظة.

3- إطلاق قانون المستثمر الصغير -كخطوة تجريبية أولى- ويقصد به السماح للوافدين الراغبين بالاستثمار في أنشطة من الدرجة الرابعة دون الحاجة لكفيل أو شريك عُماني له أو لعمالته وفق الشروط التالية:

* يُسمح له بمزاولة أحد الأعمال التالية (بيع المواد الغذائية، المطاعم، المقاهي، غسيل الملابس، الخياطة الرجالية والنسائية، بيع اللحوم والخضار والدواجن)، عمر المشروع ستة أعوام قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط وبعد دراسة جدوى المشروع وحالته، مع ضرورة وضع شروط وضوابط لتلك الأنشطة لتحسين جودتها أكثر من الموجود حاليًا ولاستنهاض القائم منها حاليًا على الارتقاء ومواكبة التطور والخدمات تلك.

* إيداع مبلغ (20 ألف ريال عماني نقدًا) كوديعة قابلة للرد بعد انقضاء عمر المشروع.

* يتكفل كل مشروع بتوظيف عُماني واحد فقط من فئة المتقاعدين (لتحسين ظروفهم المعيشية وتحفيز الموظفين للتقاعد)، ويتم التأكد من ذلك عبر الإيداع الشهري بالبنك وبمتابعة من جهة مختصة كالتأمينات الإجتماعية أو وزارة القوى العاملة.

* كل فرع للمشروع يعتبر بمثابة مشروع جديد ويعامل على أساسه.

لوفرضنا أن 60 ألف وافد فقط من مجموع الوافدين (مليون و800 ألف) أقدم على هذه الخطوة فهذا معناه ضمان 60 ألف وظيفة للعُمانيين، مع إمكانية رفع سقف المسثمر والمبلغ والسماح لوافدين متخصصين بولوج سوق العمل والإقامة في السلطنة وتحسين جودة الخدمات والسلع والتنافسية بصور لافتة.

4- العمل على تنويع جنسيات العمالة لتحقيق المنافسة ورفع جودة الخدمات مع التركيز على الجنسيات التي تنفق مدخراتها في الداخل كالعمالة العربية لتحفيز قيام أنشطة تجارية خاصة لها.

5- العمل على توفير مشروعات تجارية وترفيهية تلبي حاجات العمالة من ملاعب ودور سينما وخلافه.

6- ضرورة وجود تأمين صحي إجباري لجميع الوافدين مع التفكير في فرض ضرائب دخل.

المهم في الأمر أن نعلم أنَّ العمالة الوافدة في حقيقتها نعمة وليست نقمة، وإن وَصْمَها بـ"الخطر الداهم" لا يُبرر عجزنا وضعفنا عن إدارة مورد اقتصادي بهذا الحجم، وما زلنا نقول بأن الممكنات كثيرة بيننا، ولا تحتاج سوى إلى قليل من التدبر والعقل.

----------------------------

قبل اللقاء: من يعرف أكثر يتألم أكثر - (حكمة يونانية).

وبالشكر تدوم النعم...،

Ali95312606@gmail.com