الخميس, 20 سبتمبر 2018

خبر : الأردن يواجه خطر فقدان الملاءة!

الإثنين 28 مارس 2016 02:27 ص بتوقيت مسقط

فهمي الكتوت

هكذا يقول كيرك سويل مدير شركة "يوتيكا ريسك سرفيسز" لتقويم المخاطر السياسية في الشرق الأوسط؛ الأردن يواجه خطر فقدان الملاءة، وللتدليل على وجهة نظره يستعرض موازنة الدولة للعام 2016، ويشير إلى اعتمادها بوتيرة متزايدة على الدَّين العام والمساعدات الخارجية في تمويل الإنفاق، لا سيما "على الدعم الحكومي للطاقة". فهو يشير إلى أنَّ موازنة الدولة الأردنية لعام 2016 بلغت 11.983 مليار دولار، ومجموع الإيرادات 10.704 مليار دولار، والعجز 1.279 مليار دولار. وتُقسَم الإيرادات 9.558 مليارات دولار من المصادر المحلية، مثل الجمارك والرسوم والضرائب، و1.148 مليار دولار من المساعدات الخارجية. إضافة إلى موازنات الوحدات الحكومية (مؤسسات حكومية عددها 59 مؤسسة موازنتها مستقلة) نفقاتها 2.685 مليار دولار وإيراداتها 2.155 مليار دولار منها 88 مليون دولار مساعدات خارجية، وعجزها 530 مليون دولار. وبذلك تصبح تغطية النفقات على الشكل التالي: 79% من الإيرادات المحلية و9% من المنح و12% من القروض، وأصبحت المديونية تشكل 90% من الناتج المحلي الإجمالي.

بعض المعلومات التي تناولها الكاتب من واقع موازنات الدولة (حكومة مركزية ومؤسسات). وأشاطره الرأي بأنها تشكل أخطارا حقيقية على حالة الاستقرار في البلاد. لكن هناك مغالطات في المقال:

- أولا: يدعي "الخبير" الكاتب أن المساعدات الأمريكية للأردن في العام 2016 لا تقل عن 1.275 مليار دولار، "فضلاً عن المساعدات العسكرية التي تفوق هذا الرقم" علما بأن موازنة الدولة تظهر 418 مليون دولار فقط مساعدات أمريكية، وأن إجمالي المساعدات الواردة في الموازنة بما فيها منحة دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوربي 1.148 مليار دولار.

- ثانيا: يعتبر الكاتب أن تفاقم الأزمة المالية في الأردن لعدم قيام الحكومة بإجراءات تقشفية؛ تبرير عار عن الصحة، عدا كونه دعوة لمزيد من الاحتقانات الاجتماعية التي لا تحمد عقباها، وبالتدقيق في الموازنة نبين ما يلي:

* تشكل الإيرادات الضريبية تحت مسميات متعددة84% من إجمالي الإيرادات المحلية، وهي نسبة مرتفعة جدا وتشكل عبئا ضريبيا تسببت بارتفاع مستويات التضخم، خاصة وأن معظم الإيرادات الضريبية هي من الضرائب غير المباشرة مثل ضريبة المبيعات والضريبة الخاصة والرسوم والجمارك، الأمر الذي أدى لتآكل الأجور الفعلية، وأضعف القدرة الشرائية للمواطنين، بسبب تراجع الطلب الكلي، وهي من بين أسباب تراجع النمو الاقتصادي. وقد أدت هذه المعطيات إلى ارتفاع معدلات الفقر من 14.1% في العام 2010 إلى 20% في العام 2014 وفق الأرقام الرسمية، علما بأن نسبة الفقر أعلى من ذلك بكثير. وأن دعوته للحكومة بمزيد من الإجراءات التقشفية، إجراء تحريضي يفاقم الاحتقانات الاجتماعية، ويشكل مناخا ملائما لاستثمار تداعياته الاجتماعية، خاصة وأن البلاد تعيش على الحافة، في الوقت الذي يفصلنا عن الحركات الإرهابية -داعش والنصرة- بضعة كيلومترات في الشمال، وقد شهدت مدينة إربد اشتباكات مباشرة بين داعش وقوات الأمن قبل أسبوعين.. علما بأن الفقر من أهم حواضن نشوء الحركات الإرهابية.

- ثالثا: اعتبار الدعم الحكومي للطاقة سببا لارتفاع المديونية بعد انقطاع الغاز المصري غير دقيق؛ وإنني أحمل الحكومة مسؤولية الأزمة، لسوء إدارتها موارد البلاد، وتفشي مظاهر الفساد السياسي والمالي والإداري، فقد واصلت المديونية بالارتفاع خلال السنوات الثلاث 2009-2011 قبل انقطاع الغاز المصري، بزيادة قدرها 6.832 مليار دولار خلال السنوات الثلاث، ما يعادل 2.277 مليار دولار سنويا.

وقد تأخرت الحكومة أكثر من سنتين على إنشاء رصيف ميناء العقبة، علما بأن إنشاءه لا يستغرق أكثر من ستة أشهر، وأنني أحد الذين طالبوا الحكومة بإنشاء هذا الرصيف مبكرا لاستقبال الغاز المسال. كما أنها عوَّضت ارتفاع تكلفة الطاقة بزيادة الضرائب والمنح الإضافية: فقد ارتفعت الإيرادات الضريبية، وخاصة الضرائب غير المباشرة من ضريبة المبيعات ورسوم وجمارك خلال الأعوام 2012-2015 من 5.200 مليار دولار إلى 7.235 مليار دولار. بزيادة قدرها 2.035 مليار دولار، ومن المتوقع ان ترتفع في موازنة 2016 حوالي 700 مليون دولار، لتصبح الزيادة الضريبية في عهد الحكومة الحالية 2.735 مليون دولار. فقد وصلت نسبة الضرائب على البنزين 52%.

وحصلت الحكومة على منحة استثنائية من دول مجلس التعاون الخليجي قيمتها 3.75 مليار دولار خلال السنوات الأربعة الماضية، أنفقتها الحكومة دون إنجاز مشروع استثماري واحد مولد للدخل. وبذلك أصبح الدخل الإضافي للخزينة 6.485 مليار دولار، يفوق فروقات فاتورة الكهرباء. كما أقدمت الحكومة على رفع تعرفة الكهرباء أكثر من مرة مما أسهم في زيادة العبء على المواطنين والمستثمرين، الذين أصبحوا يغادرون الأسواق الأردنية بسبب ارتفاع العبء الضريبي. ورغم كل ذلك استمرت المديونية بالارتفاع وأصبحت فوائدها حوالي 1.4 مليار دولار سنويا تقتطع من قوت الفقراء.

- رابعا: الحل باستثمار موارد البلاد وليس بالجباية؛ الأردن غني بموارده الطبيعية ولكنها غير مستغلة، ومن أهمها (الفوسفات والبوتاس والنحاس والصخر الزيتي...وغيرها)، وعلى سبيل المثال بلغت إيرادات الأردن من استثمار أملاح البحر الميت المعدنية، 750 مليون دولار عام 2014، في حين بلغت إيرادات العدو الصهيوني من استثمار أملاح البحر الميت المعدنية وعلى بعد عدة كيلومترات من المصنع الأردني ومن نفس الخامات 6.1 مليار دولار في نفس العام. أليس هذا تقاعسا حكوميا في استثمار الموارد بشكل صحيح؟

أما القول بأنَّ الأردن يواجه فقدان الملاءة؛ فنحن أمام أزمة نهج وسياسات عامة في البلاد، والاعتماد على المساعدات والقروض ليس جديدا فهو منذ نشوء الدولة، وهناك إصرار غربي على حرمان الاردن من استثمار موارده، وغياب الإرادة السياسية، لإبقاء البلاد خاضعة للتبعية الأجنبية لأسباب جيوسياسية. أما الملاءة أو عدمها، فتقررها أمريكا متى تشاء ولأسباب سياسية.