الأحد, 18 نوفمبر 2018

خبر : تهنئة للعذراء.. وللذي يعيش أبدا!

الأحد 27 ديسمبر 2015 12:39 ص بتوقيت مسقط

محمد بن رضا اللواتي

أن تجد في "جوالك" "تهنئة" بمناسبة ولادة "اليسوع"، أو أن تهدي زملاءك "باقة" تعبر عن بهجتك أيضًا لولادة ذلك النبي العظيم، أو أن "تتفهم" خروج كل أولئك الناس لأجل تهنئة "العذراء مريم" بمناسبة ذكرى ولادتها، هذا كله لا يدل بالضرورة على أنك أيضا بتّ تعتقد بألوهية كائن بشري، كما يُخيّل للبعض!

وإلا، لامتنع كل أؤلئك الذين كتبوا وأثنوا وعظموا "خاتم الأنبياء" عن ذلك، بناء على أن كتاباتهم تلك وثناءهم ذاك معناه تبنيهم لنبوته وخاتمته للأديان!

ليس الأمر هكذا بالضرورة. وفي الواقع، فإنّ "اليسوع" - وأصله "اليشوع" الذي يعني ذاك الذي "يعيش أبدا"- وأمه القديسة، قد أكثر الكتاب المجيد من تعظيم شأنهما إلى حد يذهل العقل فعلا، وقد قال تعالى فيهما "وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً".

قد يكون جديرًا بأن نستذكر قصتهما ومكانتهما في كتاب المسلمين الأول.

فوالدة "مريم" - "حَنة" على بعض الأقوال - زوجة نبي الله عمران، كانت تعتقد أن ما في بطنها ذكرا، بناء على النبوءة التي أعلمها إيّاها زوجها، بأنّ الله سيهبه ذكرًا مخلصا للأمة اليهودية مما كانت تعانيه من بؤس. فما كان منها إلا وأن نذرت أن يكون هذا الوليد محررا من كل علاقة بالعالم خارج مكان العبادة، إلا أنّ هول المفاجأة كان كبيرًا عليها عندما أنجبت أنثى!

ينقل القرآن هذه القصة في سورة آل عمران، فيقول: "إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ".

فماذا كان جواب الرب؟ هل أعتذر عن قبول الدعاء وحبس الاجابة بناء على أنّ الأنثى ليست بالتي يمكنها أن تكون آية للرب؟ كلا! يحكي القرآن عن جواب الرب في السورة ذاتها فيقول "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ".

لقد كان زكريا يجد عندها بنحو مستمر فاكهة الصيف في فصل الشتاء، وفاكهة الشتاء في فصل الصيف، وهذا كان سبب استغرابه. وإذا بالعذراء التي وعد الرب بأن ينبتها نباتا حسنا، تزداد حُسنا وبركة كلما كبر بها العمر، حتى بلغت مقام مشاهدة الكائنات الملكوتيّة التي تتخذ من ستار ما وراء الطبيعة سكنا لها، بل والتحدث معهم. يحكي الكتاب المجيد عن ذلك فيقول في السورة ذاتها: "وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ".

ما أعظمها من مكانة! تطهير محفوف باصطفائين!

إذن، قبول إلهي لها عند الولادة، ووعد بالإنبات الحسن، ثمّ الكرامات في محراب عبادتها التي وجدها زكريا النبي، وأخيرًا وليس آخرا، مشاهدة الملائكة وهم يهنئونها بالاصطفائين اللذين تلقتهما من الرب، فأضحت بهما سيد نساء العالمين، وانتهى الحال بها إلى حيث ظهر لها كائن متعال للغاية، يُعبر عنه القرآن "بالروح" تارة و "بروح القدس" أخرى، وينسبه إلى ذات الله المقدسة، فيقول في سورة "مريم" - وهي السورة الوحيدة التي تحمل اسم أنثى في كتاب الله - "فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا"..

وإذا بظاهرة تفوق الخيال تقع، فالعذراء التي لم تقترن بالرجل، باتت حبلى بواسطة روح قُدسية، وتحققت نبوءة "عمران"، فالمخلص "يشوع" يولد من غير أب، ويحدث الناس في المهد وكهلا، ويبرأ الأكمه والأبرص، وينفخ في الطين على هيئة الطير فتدب فيه الحياة فينقلب الطين طائرا.

ولم ينته أثر العذراء إلى ها هنا، وإذا بالقرآن يُعلن بأنّ اليسوع قد استبدل الحياة الأرضية بأخرى سماوية، فقال "إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ"، حيث يذهب بعض المفسرين إلى أنّ هذا "التوفي" ليس معناه الموت الذي هو مقابل الحياة، لعدم انسجامه مع قوله تعالى "رافعك"، بل المقصود منه "الاستيفاء"، وهو "أخذ الشيء كاملا" و"حفظه"، كما يستوفي ذو حق حقه فيستلمه كاملا. ولعلّ المسيح قد اشتقوا له من هذه الظاهرة اسم "اليشوع" أي "الذي يعيش طويلا أو أبدًا.

أليس هذان يستحقان الابتهاج بذكرى مولدهما بعد كل هذا الزخم الرباني الممنوح لهما في كتاب الله؟

والمسيحيون، يدركون جيّدا بأن التاريخ لم يحددا زمنا واقعيا لولادة المسيح، وما اليوم الخامس والعشرون من ديسمبر من كل عام، وكذلك منتصف الليل اللذان تحددا من قبل آباء الكنيسة، وقتا محددا للولادة المباركة، وتحديد يوم السادس والعشرين من ديسمبر يوما مخصصا لتهنئة "مريم"، إلا رمزان يرومان إلى استذكار الحدث ليس إلا، لما يحمل يوم ولادة المسيح من معان روحيّة سامية ينبغي للأمم أن تستذكره في مسيرتها الحضارية.

فإذا كان الأمر كذلك فعلا، فما الذي يمنع، مع احتفاظ المسلمين بمعتقداتهم في الألوهيّة وأنّها مقام حصري للوجود الإطلاقي المستجمع لجميع صفات الكمال، وفق إملاء القرآن المجيد له، تفهم هذا الابتهاج والمشاركة الروحيّة فيه على أقل التقادير؟

وفي الواقع، فما عاد العالم اليوم مكانًا لازدراء الناس، وإبداء التزمت تجاه رموزهم، أو السخرية من أعيادهم، لا سيما أولئك الذي تجمعنا بهم مساحات كبيرة من المواقع المشتركة، فكيف بالقدسية منها؟

لا شك أن إبداء الاحترام لهذا العيد، حتما سيُعد أنموذجًا لتلاقي الحضارات، وسيعمل على تداخل الثقافات، المفضي إلى تقوية عضد المحاورات، وإعادة النسيج المشترك بين الديانات الابراهيميّة، والتعارف بين الأقوام والأمم من بني الإنسان، وقد صدح الكتاب المجيد قائلا "يا أيّها الناس إنّا خلقناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا".

***

مرت في هذه الآيام ذكرى ولادة خاتم الأنبياء، والذي لا يبدو أنّ أهل الإسلام يحتفلون بذكرى مولده بعُشر ما يفعله المسيحيون في أعيادهم. ليست هذه دعوة لتقليد أحد، وإنّما المسألة محفوفة بشجون، لعلنا نعود لاحقا إلى تبيانها على صفحات هذه الجريدة الغراء.

[email protected]