الخميس, 15 نوفمبر 2018

خبر : إيران وواقع التفكير الديني الحالي

الأحد 29 نوفمبر 2015 11:36 م بتوقيت مسقط

مريم العدويَّة

ناقش عبدالجبار الرفاعي في مقال له بعنوان "راهن التفكير الديني في إيران"، أنَّ ما للحضارة الإيرانية من خصوصية وتفرُّد عَبْر التاريخ أكسبها ما وصلت إليه اليوم؛ حيثُ إنَّ دراسة نجاح أي حضارة تتطلَّب النظر إلى كلِّ مُقوِّمات الحضارة التي تفاعل معها الإنسان، وأدَّتْ بدورها إلى بقاء الأثر الذي لا يُمكن تجاهله اليوم؛ لذا فمن المهم المرور على كل السياقات التاريخية والثقافية والاقتصادية عند دراسة راهن الواقع اليوم؛ فالإنسان لا يُمكنه الانفصال عن بيئته.

الاتجاهات التاريخيَّة والروافد:

1- تميَّزتْ الحضارة الإيرانية بالتراكمية؛ فكل حضارة أكملت ما جاءت به التي سبقتها -وعلى سبيل المثال لا الحصر- لقد عَمِل الساسانيون على ما تركه لهم الإخمينيون وطوَّروه وتقدموا به. وهذه الصفة الفريدة من ناحية أخرى حُرمت منها حضارات أخرى قامت في بلاد الرافدين وعلى القرب من رقعتها الجغرافية، حيثُ كانت هناك قطيعة تاريخية وثقافية بين كل حضارة والحضارات التي تلتها.

2- ساهمَ الانفتاحُ الذي شهدته البقعة الجغرافية الإيرانية -عبر العصور- في جعلها جسرَ تواصل بين الشعوب؛ حيثُ نقلت الكثير من العلوم والفنون والآداب من الغرب وشتى أصقاع الأرض إلى الهند والبلاد الإسلامية؛ ولقد كانتْ مدرسة جندي شابور خيرَ مثال على تمازج ثقافات أثينا والإسكندرية والهند...وغيرها.

3- التجربة الروحيَّة العميقة؛ فالإسلام في إيران متنوِّع الطقوس؛ بدءا من الحسينيات إلى المآتم والأدعية، والتي شكَّلت بدَرْوها شخصية الدين المتأني والصبور البعيد عن الطيش والتهور.

4- الأفُق السوسيولوجي والفسيفساء الأثنية الإيرانية؛ والتي ساهمتْ بدَوْرها في خلق واقع مشبَّع بالرموز التي جعلتْ للمرء إمكانيات واسعة للتأمل، وهذا ما جعل الإنتاج الفكري متعدد الروافد.

5- لا يُمكن تجاهل ما تَحْظى به إيران من ثراء ثقافي وحضاري، يظهر جليًّا في الفنون والآداب، بل وحتى اللغة والعمارة.

6- الاهتمام بالمعارف العقلية في التراث؛ فما زالت تقام المجادلات والمباحثات والمناقشات في المنطق والفلسفة وعلوم الكلام وأصول الفقه.

ولقد كان لهذا الأثر البالغ في إيقاد جذوة التفكير، رغم ما اعترى هذه المناقشات من قوالب المنطق وأشكال القياس الأرسطي، إلا أنَّ المنهجية التشكيكية عملت على إبقاء جذوة الفكر مشتعلة.

7- عُمق وأصالة المنحى التأويلي في الموروث الشيعي، وشيوع دراسة العرفان النظري، خاصة نصوص المتصوِّف مُحيي الدين بن عربي التي تفيض بنزعة إنسانية، وتسعى نحو التصالح والتسامح مع الأديان والملل الأخرى.

8- حُدوث انزياح للغة العربية في "قم" فأصبحت لغة ثانية، بعد أن حلت الفارسية محلها في الحلقات الدراسية والتأليف؛ وذلك في نصف القرن الأخير. ولا ريب كان لذلك التحوُّل الأثر الكبير على الدين؛ فلقد تمَّ إحلال ألفاظ جديدة ودلالة أخرى لتحل محل العربية في التعبير والمناقشة مما خلق فضاءً لغويا وثقافيا جديداً.

9- لا نجد اتجاها وَسْط نخبة المثقفين يصنِّفُ المثقف الديني مع ما يتعاطاه من موروث ديني وتمثيلات اجتماعية بوعي نقدي؛ حيثُ تُترك هذه المهمة لكليات الدراسات الشرعية والحواضر العلمية التقليدية في معظم بلادنا العربية والإسلامية. بينما الصورة تختلف تماماً في الواقع الإيراني؛ فنجد أنَّ التفكيرَ الدينيَّ ليس حكراً على كليات الدراسات الشرعية وما شابهها، ولكنه حديث الحلقات والنقاشات؛ فنجد أحاديث التدين وقضايا الدين حاضرة بقوة في المنتديات الثقافية والجمعيات الفكرية الإيرانية.

10- التفكيرُ الديني في إيران حاضر في واقع الشعب؛ فنجد أنَّ الخطباء أصبحوا يتمتعون بأدوات خطابية تتماشى والعصر وظروف الناس، كما أنَّ التجمعات الكبيرة كالحسينيات أتاحتْ الفرصة للخطباء ليلقوا ببذور أفكارهم في عقول المئات، أضف إلى ذلك أن الكثير من هذه المحاضرات والنقاشات مدونة ومسجلة.

11- مع بداية الدولة الإسلامية اختفتْ بعض أحلام الدارسين في الحوزة العلمية الطامحين إلى دولة إسلامية يحكمها الفقه الإسلامي في كل مناحي الحياة. وبذلك اصطدموا بواقع أكبر من الفقه، أو لنقل ثمة غربة وفجوة بين الاثنين. وبدأت حينها الشكوك تعود حول ماهية الفقه الحقيقية.

12- تَزْخَر الساحة الثقافية والفكرية الإيرانية بعدد كبير وهائل من الروافد، حيثُ الجامعات والحوزات العلمية والاهتمام الواضح بالمطبوعات والعدد الكبير من الإصدارات سنويًّا. وكلُّ ذلك في مجمله -وأيًّا كان مجاله- نجده غالباً ما يصبُّ أو يُلامس الجانب الديني؛ حيثُ إنَّ المثقفَ الإيرانيَّ لديه شغف كبير بالأسئلة اللاهوتية فلا يكف عن طرح المناقشات والجدالات في هذا السياق.

التفكير الديني قبل الثورة وجدالاته(1905-1979):

منذ مطلع القرن العشرين شغلت فكرة الهوية والخصوصيات المحلية المفكرين الإيرانيين؛ فنجدهم أخذوا اتجاهيْن؛ الأول: يدعو إلى المحافظة على الهوية، ومنع أي مؤثرات خارجية، بدعوى أنَّ خلط مكنونات الذات مع الآخر من شأنه مع الوقت طمس الهوية. بينما سار الاتجاه الثاني: نحو الانفتاح والأخذ من الآخر؛ فالأمة المنغلقة على نفسها ستستنزف فكرها مع الوقت وتحرم نفسها من مواكبة العصر وما وصل إليه الآخر. ولقد بَرَز عددٌ من المفكرين الذين راح كل منهم يُغذي اتجاهه بالأفكار التي تؤازر رؤاه ومعتقداته؛ ومن أمثال أولئك: فخر الدين شادمان (1907-1967) الذي تميز بفكر تقليدي وحديث على السواء. ومن أهم مؤلفاته: "تسخير تمدن فرنكي: احتلال الحضارة الغربية"، حيثُ كان يرى أنَّ أخذ كل فكرة غربية وجعلها تناسب المجتمع الإيراني يُحسب لإيران بمثابة كسب جندي غربي لصالحها. بينما خالفه في الرأي آخرون من أمثال: أحمد فرديد (1912-1994)، والذي رأى أن لكل حقبة من الزمان سيادة تطغى فيها وما سواها يبقى على الهامش، معتبراً كل ما له علاقة بالغرب داء وسم. وتبعه في هذا الاتجاه الناقد جلال آل أحمد (1923-1969) صاحب الشغف المتوهج لاستعادة الذات.

ومنها واصل علي شريعتي (1933-1977) دعوة "العودة إلى الذات". و"تكمُن المفارقة في أن "شريعتي" الذي أعلن عن مطمحه في الانتقال بالإسلام "من ثقافة إلى أيديولوجيا" تسود كتاباته نزعة تفكير حرة، ترفض الانغلاق، وتدعو إلى إصلاح الفكر الإسلامي، والانفتاح على الأديان والثقافات". وبينما ظل "شريعتي" بين أحلام المناضل ورومانسية الفنان في أفكاره ورؤاه، برز سيد حسين نصر؛ حيثُ تميز الثاني بتعمُّقه في الموروث بفضل ما ناله من علم علماء مشاهير، ولقد كان بين الاثنين مشادات ونزاعات بل واتهامات.

التفكير الديني بعد الثورة وجدلياته(1979-2005):

ومع انتصار الثورة وقيام الدولة الإسلامية حدث تغيُّر جذري في التفكير الديني في إيران؛ حيثُ اختفت تدريجيًّا أو غابت عن الساحة الفكرية بعض المسائل التي كانت قائمة بقوة مثل مسألة الهوية والخصوصية المحلية، وقامت من ناحية أخرى قضايا أخرى؛ مثل: قضايا الدولة الدينية، والدولة المدنية، والمجتمع الديني، والمجتمع المدني...وغيرها من القضايا التي تتناسب والمرحلة الجديدة.

ومع طابع التفكير الديني الجديد، ظهر مفكرون جُدد يستعينون بفلسفة العلم وعلوم التأويل الراهنة، بل ويأخذون من مفاهيم اللاهوت الغربي الحديث ما يناسب توجهاتهم. ومن هُنا، انطلقَ اتجاه يدعو لترك الكلام الكلاسيكي والانطلاق نحو الكلام المعرفي، مُتحرراً من النزعة الدفاعية، وفاتحاً البابَ على مصراعيه على الجغرافيا الراهنة للمعرفة الإنسانية. إنَّ الإنتاجَ الفكريَّ الدينيَّ الإيرانيَّ يميلُ إلى الجانب الحديث؛ حيثُ يرتكز على النقد، ولا يكف عن توجيه الأسئلة؛ لذا لم يبنِ رؤية واضحة لمواقفه المعرفية الأخرى بعد.