الإثنين, 19 نوفمبر 2018

خبر : النقد الثقافي والمقولات الجاهزة

الثلاثاء 27 أكتوبر 2015 10:33 م بتوقيت مسقط

مبارك بن خميس الحمداني

في مقالته المعنونة بـ "القدرة على النظر المستقبلي: النقد الثقافي مدخلاً للتأليف" يسرد الباحث محمد همام وصفاً تفصيلياً لحقل دراسات النقد الثقافي والأسس التي تستند إليها وأبرز المفاهيم التي تؤسس لها في السياق الثقافي والأدبي. منطلقاً من نقطة شيوع هذه الدراسات في عقد التسعينيات من القرن الفائت تحديداً، وبحسب قول همام لنقطة تتبع نشوء دراسات النقد الثقافي "وإذا كانت الدراسات الجدلية قد أعلنت موت النص، والدراسات البنيوية قد أعلنت موت الإنسان، فإنّ الدراسات الثقافية لم تعد تنظر إلى النص بما هو نص، ولا إلى الأثر الاجتماعي الذي قد يظن أنّه من إنتاج النص، بل صارت تأخذ النص من حيث ما يتحقق فيه وما يتكشف عنه من أنظمة ثقافية، وأنماط تعبيرية وإيديولوجية وأنساق تمثيلية، تمارس شتى أنواع الهيمنة والتحكم في المتلقي الفردي أو الجماعي، بطرق متخفية، وترسم جغرافيا تمثلاته الذهنية وآفاقه التأويلية، وترسخ قيماً ومقولات وسلوكات قد تكون ضد الإنسان وضد وجوده، أي التأسيس لنسق ثقافي لا إنساني..."

وبالرغم من أن كثيرًا من الباحثين في السياق العربي هاجم دراسات النقد الثقافي في بدايات ظهورها ولا زال البعض حتى الآن يشكك في الاعتداد بها كدراسات ناجزة في مناقشة العمل الأدبي. إلا أنّ هذه الدراسات أصبح يؤسس لها باعتبارها حقلاً أكاديمياً وحقل ممارسة في نطاق واسع من مؤسسات التعليم والثقافة العربية. فحين ظهرت بوادر هذه الدراسات في الوسط العربي قال بعض الباحثين في مجال النقد الأدبي إنّ النقد الثقافي ما هو إلا افتتان بمشروع نقدي غربي، ومن أولئك الدكتور عبد العزيز حمودة الذي قالها نصاً : "إن هناك مشروعاً نقدياً جديداً يجري الترويج له اليوم في أروقة المثقفين العرب هو النقد الثقافي الذي يمثل افتتاناً جديداً بمشروع نقدي غربي تخطته الأحداث داخل الثقافة أو الثقافات التي أنتجته".

ولكننا وبالعودة إلى تلمس البدايات الأولى لظهور ممارسات النقد الثقافي، نجد أنّ هذه الممارسة النقدية ظهرت علاماتها الأولى في أوروبا في القرن الثامن عشر ولكن تلك الممارسات كانت ممارسات اجتهادية لم يكتب لها الاستمرار بصورة أكاديمية أو ثقافية مؤسسة على المستويين العلمي والمنهجي، حتى أتت بداية التسعينات من القرن العشرين، وذلك حين دعا الباحث الأمريكي فنسنت ليتش إلى "نقد ثقافي ما بعد بنيوي" تكون مهمته الأساسية تمكين النقد المعاصر من الخروج من نفق (الشكلانية) والنقد الشكلاني الذي حصر الممارسات النقدية داخل إطار الأدب، كما تفهمه المؤسسات الأكاديمية "الرسمية"، وبالتالي تمكين النقاد من تناول مختلف أوجه الثقافة ولاسيما تلك التي يهملها عادة النقد الأدبي.

إنّ الحيوية التي اشتهر بها النقد الثقافي في حقل الدراسات الثقافية إنما تأتي من خلال التغيير الجذري الذي أحدثه في منهج تحليل الخطابات واستثمار المعطيات النظرية والمنهجية لعدة حقول معرفية متداخلة. حيث إنّ النقد الثقافي يستفيد من معارف وتنظيرات علم الاجتماع والنفس كما يستند إلى تفسيرات التاريخ ومعطياته بالإضافة إلى السياسة عوضاً عن الإسهام البارز للفلسفة والآداب. كل تلك روافد ترفد معارفها الناقد الثقافي لتكوين صورة كلية عن بنية النص وحركته وعن الأنساق الثقافية التي يُعبر عنها ويحللها وعن صورة الواقع الذي ينقله ومعطيات هذا الواقع وتجلياته.

وإذا ما تتبعنا الإسهامات الأولى لنقل هذا المفهوم في سياق الدراسات العربية نجد أن المفهوم جاء عند إدوارد سعيد تمهيداً للاحقيه من الأدباء والمفكرين. حيث صك إدوارد مصطلح "النقد المدني" الذي يقول عنه همام إنّ "...هذا النقد الذي يزاوج بين نقد المؤسسة ونقد الثقافة، ومساءلة الخطاب النقدي ذاته، مع انفتاحه على المهمش وإقحامه في المتن، والتخلي عن كل الانتماءات والتحيزات التي قد تعرقل عمل الناقد المدني وتسيء إلى مقارباته..."

إلا أن بحثنا في تفاصيل هذا المصطلح لم تحلنا إلى نتائج عميقة تدل على استمراره وشهرته إلا في بعض كتابات إدوارد سعيد نفسه ومن خلال إصراره على العودة إلى المفهوم في جلِّ أعماله والتذكير به وبأهميته في التحليل والدراسات الثقافية، وبأهمية المصطلحات التي يقترحها في نقده الثقافي..

إلا أن الإسهام الأكبر للتأسيس للمشروع في الحقل العربي كان لرائده وعلامته الفارقة الدكتور عبد الله الغذامي، ويعرّف الغذّامي النقد الثقافي بأنّه: " فرع من فروع النقد النصوصي العام، ومن ثم فهو أحد علوم اللغة وحقول الألسنية معنيّ بنقد الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وأنماطه وصيغه، ما هو غير رسمي وغير مؤسساتي وما هو كذلك سواء بسواء. ومن حيث دور كل منها في حساب المستهلك الثقافي الجمعي. وهو لذا معني بكشف لا الجمالي كما شأن النقد الأدبي، وإنّما همه كشف المخبوء من تحت أقنعة البلاغي الجمالي، فكما أنّ لدينا نظريات في الجماليات فإنّ المطلوب إيجاد نظريات في القبحيات لا بمعنى عن جماليات القبح، مما هو إعادة صياغة وإعادة تكريس للمعهود البلاغي في تدشين الجمالي وتعزيزه، وإنّما المقصود بنظرية القبحيات هو كشف حركة الأنساق وفعلها المضاد للوعي وللحس النقدي".

ومن يتابع التطبيق الممارس لحرفة الغذامي في النقد الثقافي نجد أن الغذامي لا يناقش النص في حدوده الأدبية والثقافية بل يوسع هذا النص بكونه ثقافة معاشة ونتاج ثقافة وبناء ثقافيا متكاملا. ومن ثمّ فهو يتعامل مع النص بكونه "لم يعد نصاً أدبياً جمالياً فحسب، لكنّه أيضًا حادثة ثقافية" وبحسب ما يقول نادر كاظم في ورقة نقدية عن أعمال الغذامي "النص عند الغذامي لا يُقرأ لذاته ولا لجماليته، وإنّما يُعامل بوصفه حامل نسق أو أنساق مضمرة يصعب رؤيتها بواسطة القراءة السطحية، لأنّها تتخفى خلف سحر الظاهر الجمالي. وبالتالي فمهمة القارئ/الناقد تكمن أساساً في الوقوف على أنساق مضمرة مرتبطة بدلالات "مجازية كلية" وليس على نصوص ذات دلالات صريحة..."

إن النقطة التي يريد همام الوصول إليها في بحثه واستعراضه لماهية دراسات النقد الثقافي هي القول بالفوائد المستقبلية التي يجنيها الاشتغال على هذه الدراسات والتي يرى أنها نقطة مهمة لتحويل "ثقافتنا من مجرد رصيد من المعلومات والمتون المتراكمة عبر التاريخ، والتي نحشو بها رؤوس النشء في المدارس والطلبة في الجامعات، والناس عامة في المساجد والمنابر والمنتديات وتحويلها إلى عنصر وظيفي في عمليات التأليف المعنوي، الروحي والعقلي، وظيفة الانتقال بالوطن الإسلامي من مجرد رقعة جغرافية إلى وعاء للأمة على المستويات كافة..."

وبالتأكيد على ما ذهب إليه همام فإن النقد الثقافي سيساعدنا على الحفر في المقولات الجاهزة أو تلك التي يختفي خلفها أعظم مما يظهر في ظاهرها. كتحليل البنى المضمرة المتخفية وراء أشكال العنف والإكراه، والتي تبرز في شكل مقولات دينية أو سياسية أو ثقافية لإخفاء المعالم المادية والمعنوية، مع كل أشكال التبرير المذهبي والفقهي، مما أدى إلى حالات الجمود الفكري والانسداد المعرفي، تعليق كل أبواب الحوار وإمكانيات التأليف بين عناصر الأمة، فشاعت النمطية والتقليد ودمغ الاختلاف بتهم الفتنة والشر والخروج على الجماعة. وكل هذه فوائد جزئية من فوائد جمة ترفدنا بها دراسات النقد الثقافي إذا ما تم الاهتمام بها وتسليط الضوء عليها وعدم الاكتفاء بمحاربتها بالمقولات الجاهزة "مشروع تغريبي" ، "نظريات منقولة" وغيرها من عبارات العجز الدائمة..!