الإثنين, 24 سبتمبر 2018

خبر : الإسلام وحرية الدين

الثلاثاء 27 أكتوبر 2015 10:20 م بتوقيت مسقط

مريم العدوي

يعيش المسلمون في هذه الفترة بالتحديد من التاريخ حرباً ضروساً في تعريف ذواتهم وما يحملونه من معتقد للآخر؛ وذلك لتشعب صورة الإسلام وتماهيها مع الكثير من المصطلحات والأفكار والجماعات التي هي في الحقيقة لا تمت لكينونة الإسلام بصلة. ومن هنا وكما أكد المفكر والأكاديمي المغربي عبده الفيلالي الأنصاري في مقال له بعنوان: "الحرية الدينية في الإسلام"، بات من الضروري وجود "نظام للخطاب" ينظم النقاشات والحديث عن الإسلام؛ ليوصل الصورة الصحيحة عنه ويحميه من الكثير من الانطباعات والصور النمطية المغلوطة. ومن تلك المناقشات على سبيل المثال موضوع: الحرية الدينية، حيثُ يرى الفيلالي الأنصاري ضرورة وجود عرض تاريخي ومثله لاهوتي / كلامي يشرح أفكار الإسلام؛ فذلك من شأنه أن يفتح الأفق ويزيل الإبهام عن مواقف المسلمين حيال الحرية الدينية والتي باتت معقدة ومتنوعة لحد مريب. بينما من الجانب التاريخي يمكننا استنباط التالي: نجد أنه في العادة يتم اختيار حوادث معينة ومن ثم تبريرها بعد الحدث من أجل تقديم تأصيل عقائدي، وفي هذا الطرح نذكر ما حدث مع بعض الأقليات؛ حيثُ وجود مجموعة من المسلمين في إطار الأقلية دفعت بهم إلى الحرية الدينية من أجل حماية أنفسهم وتأكيد ذواتهم. وفي إطار قراءة الحرية الدينية من الناحية التاريخية لا ينبغي أن يفوتنا المرور على "الخطوط الفاصلة" فيها؛ حيثُ الأرثوذكسية "السنية" مثلاً ليست اليوم سوى آثار لحركة "المعتزلة" وهم الفرقة الأكثر ليبراليةً وعقلانيةً في التاريخ الإسلامي المُبكّر؛ حيثُ كانوا هم الذين نظموا إحدى أوسع حملات الاضطهاد ضد حرية التفكير الديني.

فالمحنةُ(حركة الاضطهاد والتفتيش العَقَدي) التي قامت بها العباسية، والتي كان المعتزلة أقرب حلفائها، تركت آثاراً عميقةً في تطور الفكر الديني، والتاريخ الإسلامي لعصورٍ عديدة،والتي جعلت من العقلانية والانفتاح على العالم والفلسفات والعلوم إيذانا بالاضطهاد الديني، وعلى شاكلتها كانت كذلك حركة " الموحدين" في المغرب والتي بدأت باعتبارها تعبيراً قوياً عن الاحتجاج على النزوع الفقهي التجزيئي لرجال الدين.

وظلت تصرفاتها في سنِتّها الأولى معنيةً بالعودة لبساطة الإسلام الأول.

بيد أنّها ما لبثت أن تشددت واتخذت مواقف لاهوتية وعقائدية متصلّبة، وانصرفت لاضطهاد الناس وإرغامهم بالقوة العسكرية.

ومن جانب آخر بات لدى القوى المركزية للأنظمة السياسية هاجساً نحو حماية الحريات الدينية داخل الجماعات المسلمة ومع الديانات الأخرى، ويتضح هذا جلياً في ميول الفاطميين نحو رعاياهم السنة بينما كانوا هم من الشيعة الإسماعيلية. ومنها صار "الأزهر" الذي أسسوه منارة للفقه السُّني، بينما حكام الهند من المغول استمدوا من النصوص القرآنية أسمى معاني التسامح؛ فكان أكثر رعاياهم من الهندوس. وفي ذلك كذلك أوجد العثمانيون نظام المِلَل ولا يفوتنا في هذا كذلك ذكر الدولة الإسلامية في إسبانيا رغم ما اعتراها من مدّ وجزر.

والجدير بالذكر أنّ الاستثناء الذي حدث في التاريخ الإسلامي في مسألة الحريات الدينية، كان من قِبل الأنظمة الضعيفة؛ حيثُ سعت الأقليات إلى التشدد ومحاربة العدو الداخلي من أجل حماية محيطها، بينما الأنظمة السياسية القوية وفرت لرعاياها الحماية والحرية الدينية.

وأما عن ما يُمكن استنباطه من النصوص القرآنية، فهنا ينبغي التأكيد على أمر، وهو أنّ قراءة النصوص القرآنية وفهمها وتفسيرها لا يتأتى دون قراءة الآية كاملة وفي ضوء أسباب النزول والأحداث المتزامنة؛ وإلا فلن يصل القارئ إلى المقصد الصحيح، فعلى سبيل المثال (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين)، هذه الآية التي لا يكاد حديث حول الحريات الدينية يخلو منها، ينسى المنادون ما تلى الآية من إيضاح بأن الله تعالى أوضح للعباد الحق من الباطل. ومن هنا تمطر علينا سماء التساؤلات بأسئلة لا تنتهي، حيثُ سيكون الخصم في المقابل قادراً على استحضار آية تنافي البرهان الذي نحمله، وبالتالي فإنّ الآيات القرآنية بما لها من خصوصية ودقة موضوعية لا يمكن أن تكون الأساس الوحيد الذي نستند عليه لنقرر في مثل هذه الحالة.

ويرى الفيلالي الأنصاري بأن الحل للخروج من مأزق تلك الأسئلة العقيمة يكون بتأمل آيات أخرى من القرآن. آيات من شأنها فتح الأفق لغد أفضل، مثلا في قول الله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات) القرآن(5/48)، توضّح هذه الآية أن التعددية الدينية هي جزءٌ من خطة الله عزّ وجلّ للبشر الذين خلقهم.

ومنها تتجلى عدة أمور كالتالي: أولاً لا أحد يستطيع التوصل إلى الحقيقة النهائية في المعتقد الديني، وثانياً أن الله وحده يملك في ذلك كلمة الفصل وأيضاً أن الحقيقة صعبة المنال في الدنيا وبالتالي سيستمر الصراع حول الأمور الدينية وربما سيظل. ولكن على الإنسان التركيز على التزود من الأعمال الصالحة بغض النظر عن المعتقد الديني!.

وحول البحث عن استراتيجيات بديلة وبطرح فكرة الردة كأنموذج، في الواقع أن هذا الأمر هو جزءٌ من ميراث التدين الإسلامي. ورغم إيمان المسلمين أنه لا كتاب بعد القرآن، ولا سنة بعد النبي الخاتم؛ فإنهم أضافوا إلى مصطلح الإيمان كثيراً من المفاهيم والشروح والمؤسسات التي قام بها الفقهاء أو بعض السلطات.

لقد حدث مثل ذلك بالنسبة لمؤسسة الخلافة، التي أثبت علي عبد الرزاق أن المسلمين الأوائل أوجدوها بعد وفاة النبي. بيد أن بعض المسلمين يعتبر تلك المؤسسة مقدسة، وهي جزءٌ لا يتجزأُ من رسالة الإسلام. لقد كان المسلمون مضطرين بعد وفاة النبي إلى إيجاد مؤسسة سياسية، والمتأمل لها يجدها متعلقة بالتاريخ الإسلامي ولا شأن لها بالعقيدة الإسلامية مثلما بات أمراً جلياً لدى البعض ومسلماً به. فلا كتاب بعد القرآن والسنة إلا أن المسلمين وعبر التاريخ استحدثوا الكثير من المصطلحات والمؤسسات.

فكما يرى علي عبد الرزاق أن الخلافة جاءت نتيجة حاجة ضرورية في ذلك الزمن ومن آثارها عدة مستحدثات ومنها فكرة الردة؛ حيثُ كانت الحل الأمثل لحماية الدولة الإسلامية، بينما مصطفى كمال أتاتورك قرر إنهائها؛ لأن الزمن تغير ولم تعد ضرورية. بينما ما زال البعض يشدد على أن العقيدة مستمرة ولا فاصل بينها وبين التاريخ وبالتالي فإن انتقادات علي عبد الرزاق للتاريخ حول موضوع الخلافة لا معنى له.

وبهذا فإنّه بات من الصعب على الكثير من المتدينين الفصل بين العقيدة والتاريخ، وأبقوا على جذوة إعجابهم بإنجازات الأولين، وبالتالي فإنّ قضايا مثل الحرية الدينية أو قضايا المرأة بقيت هاجساً يُؤرق مضجع الأمة.

إننا بلا شك نحتاج إلى "النقد التاريخي" الذي سيحمل في طياته الحل الأمثل للخروج من كل هذه المتاهات موضحاً الفيصل بين العلم والفلسفات المرتبطة به مثلما حاول إدموند هوسرل الفعل من قبل؛ فالنقد التاريخي هو الذي من شأنه كشف الغطاء عن الكثير من التقاليد الدينية التي حدثت في فترة التوسع والمنجزات في التاريخ.

إننا نأمل أن تكف نقاشات الأمة حول الحريات الدينية عن الدوران في ذات المتاهات وطرح الحلول العقيمة، وأن تفتح المجال أمام فكر جديد يقوده العلم والتحليل في محاولة جادة للتوصل إلى فهم أفضل للدين وإلى مستقبل أكثر إشراقاً.