الجمعة, 21 سبتمبر 2018

خبر : الاجتهاد حمَّال أوجه

الإثنين 05 أكتوبر 2015 12:01 ص بتوقيت مسقط

 

فاطمة ناصر

يتناول الكاتب محمد الشتيوي إشكالية الاجتهاد بين العقيدة والتاريخ، مُستخدما العرف والمرأة كمثال على الأخير. ويبدأ الكاتب مقاله مذكِّراً أنَّه ليس بغرض تناول تثاقل وركود حركة الاجتهاد، وإنما التأكيد على أنَّ الاجتهاد عملية مشروطة، وهو لا يقصد الشروط الواجب توافرها بالمجتهد، وإنما الشروط المرتبطة بالمسلمات العقيدية والإرث التاريخي المتمثل في الأعراف المجتمعية. وبعيدا عن اختلافات المذاهب في هذا الشأن، أودُّ التنويه إلى أنَّ أساس وجود المذاهب ونشأتها قام على الاجتهاد، ولم يأتِ ذكرُ هذه الفرق المذهبية لا في كتاب الله ولا سنة نبيه. وما سنتعرَّض إليه في هذا الشأن هنا لا يتعدَّى كونه وصفاً وشرحاً لوضع الاجتهاد الراهن؛ فحركته وركوده خاضعان للبشر القائمين عليه، أما الزمان فهو في حركة دائمة.

ولتبسيط فهم الاجتهاد؛ علينا ربما تفكيكه إلى عناصره الأساسية؛ فهناك: النصوص المقدسة ونصوص السلف واجتهاداتهم، وهناك الفقيه الذي يسميه الكاتب "الوسيط المعرفي"، وهناك المسألة وبها تتمثل قضية الاجتهاد. ويستعرض الكاتب صنفين من المسائل المؤثرة على الاجتهاد؛ أولهما: الحكم الشرعي، وثانيهما: العرف والعادة. وكلاهما بالغ التأثير في سير حركة الاجتهاد. وكما تختلف مسائل الاجتهاد يختلف المجتهدون؛ فمنهم المقلد لأحكام السلف، المبالغ في خشيته وريبته من الاجتهاد؛ خوفا من الوقوع في الخطأ، ومنهم المجتهد الجريء الذي يُدرك تأثير الزمان في الأحكام، وبَيْن هذا وذاك يتذبذب حال الاجتهاد. وحين يُسمِّي الكاتبُ المجتهدَ بـ"الوسيط المعرفي"، فإنه يقصد وساطته بين الحكم الأزلي الثابت لله تعالى، والزمان المتغيِّر الذي لا يثبُت على حال. وفي نظر العلوم الفقهيه، فإنَّ المجتهدَ باجتهاده لا يستحدث الحكم؛ فالحكم ثابت وأزلي، ودوره ما هو إلا استجلاب لهذا الحكم وإيضاحه ونقله للسائلين. وفي هذا تقول الموسوعة الفقهية حول تعريف الاجتهاد: "إنَّ الاجتهاد هو: بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظنِّي". ويؤكد الكاتب أنَّ العلماء قد أدركوا إشكالية العلاقة بين خطاب الله العقيدي وبين الزمن، وهذا يفسر تعدد التفاسير حول علاقة خطاب الله الأزلي وبين أفعال الإنسان الزمانية. ويتوقَّف الكاتب هنا، وينأى بالخوض عن ذكر ما يعرف بـ"محنة خلق القرآن". والتي تحمل في طياتها تعدُّد الآراء حول أصل هذا الخطاب الأزلي الذي هو أساس ومنبع الأحكام الشرعية. وأتفهَّم حذر الكاتب من التعرض لهذه القضية الشائكة والمتشعبة، والتي لا مجال لمقاله أن يتفرع فيها، ولكنه باستبعادها بهذا الشكل وكأنها لم تكن، يجحف فرعاً مهمًّا في موضوعه، واكتفاؤه بقوله إنَّ الأصول العقائدية ثابتة لا جدال فيها، وفي محل آخر يذكر تعدد الآراء حولها، أمر يضع القارئ أمام متاهة وغموض. ولننصف القضية حقها وإن لم يتسع مقامنا لذكر التفاصيل، أدعو القراء إلى البحث في "محنة خلق القرآن"، وهي محنة لأنها تعرَّضت للأصل الثابت، الذي من المفترض أن يكون المرجع الذي تجتمع حوله الآراء وتتفق، ولكن شهوة السؤال في أصل الأصل، هي قضية لم تحسم منذ الأزل، والخوض فيها لا نهاية له؛ لهذا آثرت الفرق الإسلامية الغض عن الخوض في حديث هذه المحنة، إلا أنَّ المتابعَ يُدرك أنَّ بعضَ العلماء من كافة الفرق لايزالون يخوضون فيها من منابرهم، ويدخلون في معارك ومبارزات بين مخالفيهم، وكل يعلن انتصار حجته أمام أتباعه؛ مما يُزيد موضوع الاجتهاد إشكالية وتعقيداً.

أمَّا في القسم الأخير، فيتعرض الكاتب إلى التاريخ وتأثيره في الاجتهاد، وكيف يُمكن للعُرف والعادة التأثير على المجتهد في اجتهاده، وفي هذا يستعرض عدة أحكام قديمه تمَّ فيها مخالفة النصوص، وتغليب العادة والعرف. ومرة أخرى يتناقض ما قيل في شأن العرف وعادات الناس. فيجمع العلماء على أنَّ الأعراف ليست من مصادر التشريع كالقرآن والسنة، وأنَّ الأخذ بها مرهون بشروط معينة؛ أهمها: عدم تناقضها وما جاء في مصادر التشريع، إلا أنَّ الأخذَ بها أوجبه الفقهاء في عدة مواقع؛ حيث قالوا "العادة محكمة" و"المعروف عرفاً بالمشروط شرطاً"، ويأتي هنا دور المجتهد في مواءمة هذه الأعراف والنصوص التشريعة الملزمة. ومن المفيد أن نذكر بعض الاجتهادات التي خالفت النصوص، والتي ذكرها الكاتب في مقاله، ولم تعد مُلزمة اليوم، ولكن عُمل بها في وقتها مراعاةً للعُرف في بعض مناطق المغرب العربي -والتي تتبع المذهب المالكي- ومن هذه الأحكام: استثناء المرأة المترفة من إرضاع رضيعها حوليْن كامليْن؛ وذلك مخالفة للنص القرآني: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين)، والغريب ما قاله الكاتب في هذا الشأن ونظرته لهذا الحكم كاستثناء؛ ظانا أنه رُوعي به كماليات المرأة وترفها على حاجة الرضيع للبن؛ حيث استقطعَ الكاتبُ الآية المذكورة ولم يُكملها، وعقب عليها بما ورد أعلاه، في حين تخالف الآية ما اعتبره استثناءً، بقوله تعالى: "وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ". فقد جاء في تفسير الطبري ما يُثبت عدم فرض الرضاعة على المرأة؛ حيث جاء في التفسير: "وأخبر تعالى أنَّ الوالدة والمولود له إن تعاسرا في الأجرة التي ترضع بها المرأة ولدها، أن أخرى سواها ترضعه؛ فلم يوجب عليها فرضا رضاع ولدها؛ فكان معلوما بذلك أن قوله: "والوالدات يرضعن أولادهن حولين" دلالة على مبلغ غاية الرضاع التي متى اختلف الولدان في رضاع المولود بعدها، جعل حدًّا يفصل به بينهما، لا دلالة على أن فرضا على الوالدات رضاع أولادهن.

وأكتفِي بالقول إنَّ بابَ الاجتهاد سيظل واقعاً في إشكاليات عديدة ليست محصورة بما جاء به الكاتب، بل باختلاف الناس حول الشروط الملزمة له؛ فلا توجد مؤسسة إسلامية موحَّدة تمنح ترخيصا معتمداً لمن يسمح لهم بالاجتهاد؛ فهناك من ينادي بغلق هذا الباب أمام عبث العابثين وتجميد الاجتهاد برمته، ومنهم من يرى بالعمل بقول: من اجتهد فأصاب فله أجران، على الرغم من أنَّ حديث الرسول كان موجَّها للحاكم! فقال صلى الله عليه وسلم: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر. فالمفسرون بشر يظنون بيدهم المعنى، والمعنى ليس واحداً، إن كان الأصل حمّالَ أوجه.