الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

خبر : ألفة المدينة

الأحد 04 أكتوبر 2015 09:50 م بتوقيت مسقط

أمل السعيدي

زُرْت المدينةَ المنوَّرة هذه المرة لا لقضاء العمرة أو الحج، وإنما لزيارة صديقتي هناك؛ مما أتاح لي -وبشكل أكبر- التعرف على المدينة أكثر، وعلى عاداتهم وتقاليدهم وأكلاتهم الشعبية وطريقة حياتهم هناك، خصوصاً في مكان مزدحم للغاية يَفِد إليه الناس من كلِّ بقاع العالم طوال السنة بلا انقطاع. شعرتُ بألفة المكان، أعجبني ذلك الاحتفاء الذي يُوليه أهل المدينة بكل شيء فيها. رائحة المدينة مميزة للغاية، وفيها ألفة من نوع خاص، تدفعك هذه الألفة للانسجام مع المكان بسرعة. في اليوم الأول ذهبت إلى "حديقة النخيل"، جلسنا فيها حتى الفجر، كانت الحياة لا تزال تتدفق في الطرقات وفي المتنزه ومسرح الأطفال. يواجه أهل المدينة حرارة الصيف الملتهبة، بتغيير نظام حياتهم أيام الإجازات، فيقضون الليل كله في الخارج، ليس هذا فحسب، بل تكاد لا تجد مساحة عشبية صغيرة دون أسرة تفرش حصيرتها وتستلقي هناك مع أطفالها الذين يلعبون في الجوار. في اليوم التالي، شاهدتُ جانباً لم أكن لأعرفه عن جبل أُحد؛ ذلك الجبل الذي سمعت الكثير من القصص الدينية حوله؛ منها: غزوة أحد التي حدثت بين المسلمين وقريش، والتي مات فيها الكثير من الصحابة. اليوم ثمة حديقة صغيرة هناك، تكاد تشعر أنها معلقة على الجبل، فكلما صعدت وجدت حجرات صغيرة محفورة في الجبل، بعضها ذو جدران طويلة بعض الشيء والآخر لو أنك استلقيت على فراشه لرأيت السماء من فوقك وبقية الجبل بجانبك. على الجبل إضاءة خافتة، هذه الحديقة لا تنتهك عذرية الجبل؛ لتشكل من جديد مكاناً مناسباً للاستراحة لكنها ببساطة تنبثق منه، كأنها جاءت معه منذ أن كان، جاءت لتعطي هذا المكان بُعداً آخر، كثير من الأزواج هناك، بعضهم يفضلون طلوع الجبل معاً والجلوس فوق لتأمل المدينة، البعض الآخر يذرع المكان جيئة وذهاباً. ثمة فتيات يتحدَّثن في الهاتف وأُسر يجلسون مع القهوة العربية والتمر، يتسامرون ويضحكون. شَهْد (الأخت الصغيرة لإيمان صديقتي) وهي لا تزال في الصف الخامس تقول: "هذا المكان مليء بالروحانية"، أهذا طبيعي لطفل ينشأ في مكان كهذا؟ أعني أن يتحدث الصغار عن الروحانية والجمال بهذه البساطة؟ لعل هذا يفسر طباع أهل المدينة؛ فكلُّ الناس الذين قابلتهم وادعون، هادئون، لَكْنَتُهم من أجمل وألطف اللَّكَنات العربية، فيها دلال يخصها وحدها، إنها تلتف على الكلمة لتجعل لها إيقاعاً يشبه مقام الصبا في طراوته، يمكنني أن أقول إنَّ لكنة أهل المدينة طرية.

في الصباح الباكر، ثمة عادة يقوم بها أهل المدينة وهي تقديم البخور "المديني"، بعدها تحين وجبة الافطار وهي الفول والعدس و"القلابة" و"الطعمية" و"التميس" مع زيت الزيتون. هنالك أكلات كثيرة ورثها اهل المدينة عن أجدادهم، فتجد هناك "اللدو" و"الدقة" و"القرمش" و"بسكويت البدو"، وكلها متوفرة وتستطيع الحصول عليها بسهولة، لكن اكثر ما تتميز به المدينة "آيسكريم المرينسي"، والذي صنعه المرينسي منذ زمن بعيد بوصفة خاصة تستطيع أن تعرف من طعمها أنها تحتوي على ماء الورد، يَلْقَى الكثيرُ من الإقبال؛ حتى إنَّهم يعتبرون حصولك كزائر عليه فَرْض من فرائض السفر.

ومن الأشياء التي بدتْ لي غريبة للغاية في المدينة، هو إقفال جميع المحلات أثناء وقت الصلاة؛ حيث يلزم صاحب أي محل بإقفال محله، وإلا تعرض لغرامة وعقوبة من قبل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي تمثل السلطة الدينية هناك، أحياناً يقفلون عليك الباب وأنت في داخل المحل حتى ينتهي وقت الصلاة، وفي أحيان أخرى يطلبون منك الخروج فوراً.

كلُّ المحلات حتى المطاعم العالمية المعروفة صُمِّمت بطريقة تناسب طبيعة المجتمع السعودي بشكل عام؛ فهناك مكان خاص للعائلات دائما ومكان آخر للشباب. كان هذا مثيراً لاستغرابي في البداية، لكنك سرعان ما تتفهم الأمر وتعجب بقدرة الناس هناك حتى المعارضين منهم على تقبل الأمر أو صناعة خيارات أخرى تخصهم وحدهم بخصوص قضاء وقت ممتع في الخارج.

... لن أكون في المدينة دون أن أزور الحرم هناك، ذهبتُ هذه المرة وجلست في الساحة الخارجية بعد صلاة العشاء، المكان حميم للغاية، تأتي إليه الأسر السعودية مع حصيرتهم أيضاً والقهوة والتمر. هنالك أطفال كُثر يلعبون في الخارج، والناس من كل مكان بمختلف أشكالهم ولغاتهم ودوافعهم يسيرون هناك. تشعر لوهلة أنَّ العالم كبير جدًّا ولم تعرف بعد شيئاً عنه. زرنا أنا وصديقتي المنطقة المركزية بالكامل، طفنا حول الحرم في الشوارع هناك والأزقة الصغيرة لمدة تزيد على الساعتين، رأينا البسطاء والأغنياء، المحلات هناك سرعان ما يرفعون السعر فيما لو عرفوا أنك خليجي أو من أهل المنطقة. كان المكان مثالياً لشخصية مثلي تحب التعرف على الحياة في وجوه الآخرين وفي طريقة حياتهم.

في أثناء انتقالنا بالسيارة، كُنا نستمع لطلال مداح طيلة الوقت، جميع من التقيتهم هناك يحفظون أغانيه ويحبونه، طلال الأيقونة التي لا حلَّ لها. كم أصبحت المدينة جميلة أكثر كلما كان مذياع السيارة يطل علينا بأغانيه، عندما يغني "أغراب في رحلة ليالي العمر، أغراب، أغراب في دنيا العيون السمر، أغراب والفرحة حوالينا" يختزل كل شيء؛ فعلى الرَّغم من تلك الغربة التي يعاني منها الإنسان أينما كان، إلا أنه يكون فرحاً في بعض الأحيان، كما هي الحال مع أهل المدينة، البسطاء منهم والأغنياء، يقاومون الحياة حتى بجلسات "العصرية" مع الشاي الحساوي، والفتيات هناك في الزيارات يرتدين الفساتين الجميلة، إنهم يحتفلون كنوع من أنواع المقاومة.