الثلاثاء, 25 سبتمبر 2018

خبر : الآباء والبنون

الأحد 27 سبتمبر 2015 01:22 م بتوقيت مسقط

زينب الغريبة

يا ترى لو طلب من الأبناء يومًا أن يقولوا كلمة لآبائهم وأمهاتهم، ما الذي سيقولونه؟ ولو طلب نفس الشيء من الآباء، ماذا سيقولون لأبنائهم؟ فكرت في هذا السؤال وأنا استرجع بعض ذكريات وقصص الطفولة التي عشتها وأهلي الذين ارتبطت أسماؤهم بها في صلالة، حينما كانت الحياة لا تزال تتشكل في هذا البلد، وحين كانت الوجوه التي ترسم الابتسامة على وجوه الأطفال لا تزال بنظراتها لم يغزوها الشيب ولا التجاعيد، كانوا يعملون من أجل بث السعادة في قلوب أبنائهم، جاهدوا من أجل تحقيق ذلك في بلاد الغربة..وواصلوا عملهم الدؤوب، كانوا أقوياء بمبادئهم ..أوفياء بفطرتهم، رحماء بطبعهم، كان يحنون على الصغير ويبجلون الكبير ..كانوا المدرسة الكبيرة الحقيقية التي يُمكن التعلم من دروسها الحيّة في كل وقت، كانوا صغارًا ولكنهم ذوو تجربة عميقة أكبر من عمرهم..كانت أفعالهم أكبر من أن تحصى، وأعمق من أن توصف، أقاموا مجتمعاً متشابكاً مترابطًا نابضاً بالتواد والتراحم، تأتي كل هذه الذكريات..وأعرف أنّهم لم يقولوا كل ما يودون قوله لنا..وأننا كنا صغارا عندما رحلوا، وتخطفهم الزمن واحدًا تلو الآخر، ولم تتح لنا فرصة أن نقول لهم ما يجب أن يقال لمثلهم ..الذين ..رسموا لنا طريقاً ناصعًا، ووضعوا لنا مخزونا كبيرا يمكن لنا أن نعود له كلما تأزمت حياتنا لنتعلم منه كيف كانوا يتعاملون مع مشكلات الحياة ومواقفها المختلفة..

جاءتني هذه الذكريات حين كان زوجي يُحدثني عن السيرة التي كتبها الروائي جورج أمادوعن طفولته تحت عنوان "طفل من حقول الكاكاو"، والمواقف والحكايات التي مرّ بها، واللغة الراقية التي نقل بها ذكرياته عن الأسرة والمجتمع الذي نشأ فيه، لو كان الخيار خيارنا لتمنى بعضنا اليوم أن يبث الحياة في شريط طفولته..والوجوه التي كان يشاهدها في كل صباح ..أو أن يعود إلى مرحلة الطفولة كي تتاح له فرصة أخرى ليتكلم مع والديه، وأعمامه وعماته، ولكن من أين لنا هذه الفرصة العظيمة ..والزمن يمضي سريعًا يطوي تلك الصفحات الناصعة الجميلة طياً، ويحاول أن يمحو كل معالمها من صور وبيوت وما تبقى من وجوه، ويحاول أن يسجل في الذاكرة المشحونة تفاصيل جديدة كل يوم، تزاحم تلك الذكريات الجميلة ..هل يكفينا أن نفعل كما فعل أمادو فقط، أم ما فعله هو أقصى ما يمكن أن نفعله ..أن نوثق حكايات طفولتنا ..وكيف يمكن أن نفعل ذلك وهناك مائة وجه ووجه يستحق أن ننقشه لا أن نصفه فقط بالكلمات..

الآباء والبنون ..مسيرة حكاية لا يمكن أن تنتهي تفاصيلها ..لأنّ العلاقة بينهم لا تنتهي وإن رحل البعض ..فتأثيرهم يظل باقياً ..يُشكل حياة البنين ..في ظل حياة معقدة تصادر من الإنسان كثيرًا من الجمال الذي عاشه في طفولته...لا يُريد الآباء من الأبناء أن يكونوا نسخًا منهم أو أن يحملوا معتقداتهم..يريدون منهم ألا يشوهوا الصورة التي كانوا يرسمونها لهم ..والتي لم تكتمل ..يريدون منهم ألا يقطعوا الحبل السري الذي يربطهم بهم وبالاهتمام الكبير بهم في طفولتهم حين كانوا في حاجة لمن يبث فيهم السعادة بأشياء بسيطة جدًا لكن أثرها في نفوسهم كبير، هكذا يعود الآباء لا يطلبون من أبنائهم إلا ما كانوا هم يطلبونه وينتظرونه منهم عندما كانوا صغارًا أشياء بسيطة جدًا تبث الفرح في قلوبهم.. ينتظرون العودة إليهم كل أسبوع أو كل مناسبة، ينتظرون كما كان الأبناء ينتظرون، إنّها لحظة الانتظار ..التي يمر بها الجميع ..ومحظوظ ذلك الذي يعي قيمة ذلك الانتظار ..ويعمل على جعله دائماً لقاءً تاريخيًا. فكم لقاء تاريخي صنعه هؤلاء الأجداد والآباء لنا..مقابل ذلك.

لقد تذكرت في ظل هذه الذكريات مسرحية ميخائيل نعيمة "الآباء والبنون" التي نشرها في الثلث الأول من القرن العشرين ..وذلك الحوار الذي جرى فيها بين أم الياس وابنها الياس سماحة وخليل وابنتها زينة في مدينة صغيرة في لبنان ..وقلت في نفسي لو قام كل واحدٍ فينا بحوار مع جده أو أبيه أو أمه هل سيكون هذا الحوار عبارة عن محاكمة للآباء والأمهات لعدم مواكبتهم للعصر أو للتمدن أو لعدم مجاراتهم للأفكار الحديثة أو لعدم تصرفهم وفق مقياس وضعه الأبناء لآباء عاشوا وفق مقياس مختلف.أم سيكون هذا الحوار نبش في خبرة هؤلاء الآباء والأمهات، وتعلم من أفكارهم البسيطة ..لابد من حوار حتى لا تنقطع السلسلة وحتى لا تتسع الهوة ..مع أولئك الذين لا يزالون معنا لا يحملون إلا همنا أو أنهم رحلوا وهم في دوامة تمهيد الطريق لنا لنكون أفضل من أي أحد ..إنّ السؤال الذي طرحته في البداية لا يزال قائمًا، ما الذي ستقولونه لآبائكم لو اتيحت لكم يومًا فرصة الحوار معهم؟.