السبت, 17 نوفمبر 2018

خبر : 3 وقفات مع أبنائنا الطلاب

الأربعاء 26 أغسطس 2015 11:03 م بتوقيت مسقط

عيسى الرَّواحي

مع مَطْلع العام الدراسي الجديد، وفي غمرة فرحة أبنائنا الطلاب والطالبات -البالغ عددهم نحو 552 ألف طالب وطالبة- بالعودة إلى المدارس -البالغ عددها 1077 مدرسة- تتزاحم الأفكار والكلمات، وتطيب المشاعر والأحاسيس، وتختلف طريقة استقبال كل مدرسة لطلابها كما تتباين طرق التوجيه والإرشاد وشد هممهم للجد والاجتهاد والمثابرة في التحصيل الدراسي وطلب العلوم والمعارف والنهل من شتى مصادر العلم المختلفة، ولا ريب أنَّ الإذاعة المدرسية هي المنبر الإعلامي الذي يخاطب به جموع المعلمين والطلاب داخل المدرسة، ويستثمر في محافل المناسبات وإلقاء النصائح والإرشادات، كما أنَّه منبر لبثِّ العلم والمعرفة؛ لذا فإنَّه ينبغي أن يلقى العناية والاهتمام والاستغلال من الإدارة والمعلمين؛ لما يهم مصلحة أبنائنا الطلاب.

وفي المنبر الإذاعي لمدرسة عبدالله بن رواحة للتعليم الأساسي بولاية سمائل، وفي ثاني يوم دراسي، وقف الأستاذ الداعية أحمد بن مظفر الرواحي الواعظ الديني بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية -الذي أضافته إدارة المدرسة مُتحدثا موجِّها أبناءه الطلاب- في كلمات موجزات بليغات عبر ثلاث وقفات جديرة بأن تكون حديثَ جميع المدارس؛ لما تُشكله من بالغ الأهمية لأبنائنا الطلاب، ولما تصوره من واقع ملموس.. وهي كالآتي:

- الوقفة الأولى: اعترف بالفضل لأصحابه

أوْضَح من خلالها أهمية أن يُكن الطلاب جلَّ الاحترام والتقدير والشكر والعرفان لأساتذتهم الذين كان لهم الفضل -بعد الله تعالى- في أن أخرجوهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم، فكتبت أيديهم كل منطوق، ونطقت ألسنتهم كلَّ مكتوب، ولا ريب أنَّ احترام المعلم وتقديره والتواضع له دليل أصالة معدن صاحبه وسمو خلقه، وفي المنهج النبوي: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس"، وفي الأثر: "من علَّمني حرفا صرت له عبدا"، وفي الشعر: قول أحمد شوقي:

قم للمعلم وفه التبجيلا...

كاد المعلم أن يكون رسولا

أعلمت أشرف أو أجل من الذي... يبني وينشئ أنفسا وعقولا

- الوقفة الثانية: اعمل بجد وحب

اعمل؛ أي: اطلب العلم بجد وبحب؛ فطلب العلم والتفوق يحتاج إلى جد واجتهاد ومثابرة يلازمه حب ذلك والرغبة فيه؛ فحبُّ الشيء هو ما يدفع بصاحبه إلى النجاح والاستمرار فيه.

والجد والحب في طلب العلم يقتضي من صاحبه أن يذاكر دروسه أولا بأول دون توانٍ أو تسويف، وأن يحمل نفسه على الصبر والعزم في تحصيل العلم داخل البيت والمدرسة بالمراجعة والمذاكرة والتحضير والانتباه للمعلم وحل الأنشطة والواجبات والاستعداد التام للامتحانات وترك الوسائل والملهيات التي تمنع الوصول إلى تحقيق الهدف المنشود من طلب العلم، بل قد تسبِّب الفشل والرسوب والإخفاق الدراسي.

- الوقفة الثالثة: برهن على صدق وطنيتك بأفعالك

وبما أنَّ الوطن عزيزٌ غالٍ في قلوب أبنائه، وكلنا يتغنى بحبه ويفتخر بوطنيته، وأنه يستحق منا الكثير، ويوجب علينا بذل ما نستطيع في خدمته فهو الحاضن لنا منذ أن جئنا إلى هذه الدنيا؛ فإن الحب والولاء للوطن يحتاج منا أن نبرهن بالأفعال صدق وطنيتنا على أرض الواقع؛ فليست الشعارات وحدها تكفي، وليست الكلمات دليلا قاطعا على صدق الوطنية، وإنما تظل تلك الكلمات والشعارات تعبيرا يصدقه العمل، والذي يتمثل في طلب العلم لأجل المشاركة في بناء الوطن بالعمل والعطاء، والمحافظة على المرافق العامة، والالتزام بالأنظمة والقوانين، والتزام الأخلاق اﻹسلامية الفاضلة، والتمسك بالعادات العمانية اﻷصيلة.

إنَّ المتتبِّع لواقع أبنائنا الطلاب في مختلف المدارس، يجد أنهم بحاجة إلى كثير من التعليمات والنصائح والتوجيهات والإرشادات، ولعلَّ الوقفات الثلاث التي أشار إليها المحاضر الجليل تكاد تشكل الهاجس الأكبر والأهم، وتوجز واقع الطلاب على المستويين التحصيلي والسلوكي؛ فالطلاب اليوم بشكل عام -كما في الوقفة الأولى التي تعبر عن الأخلاق- بحاجة مُلحَّة إلى الأخذ بأيديهم في غرس الأخلاق الفاضلة لديهم، وتحذيرهم من السلوكات الخطيرة والآفات الدخيلة على المجتمع، ولا تُختزل القضية في مسألة احترام المعلم فحسب؛ وإنما هي تعبير عن الخلق وأهميته في واقع المرء، وكما أشرت آنفا فإنَّ احترام الطالب لمعلمه واعترافه بالفضل له، إنما هو دليل أصالة معدنه وحسن خلقه.

أمَّا الوقفة الثانية، ففيها تكمُن قضية التعليم ومشكلته الأساسية؛ وهي: الإهمال الذي وصل إلى حد مذموم عند نسبة كبيرة من الطلاب، وعدم وجود الرغبة لديهم في التعلم وحب العلم وتذمرهم الكبير من المدرسة، وقد أشرتُ في مقال سابق بعنوان "لماذا يرسب الطلاب؟" -نُشر في فبراير الماضي- إلى أنَّ السبب الرئيس لرسوب الطلاب يتمثَّل في إهمالهم الدراسي، وعدم رغبتهم في الدراسة، وعدم اهتمامهم بالمذاكرة وغياب المبالاة والجد فترة الاختبارات.

ولا رَيْب أنه إذا امتثل الطالب الخلق القويم، وثابر في تحصيل العلوم، فإنَّ الوطنية الصادقة ستكون -بإذن الله- حاضرة مُترجمة على أرض الواقع لديه، ولن يكون حينها بحاجة إلى ندوات ومؤتمرات لتعزيز المواطنة وقيمها، ولكن عندما يكون الأمر عكس ذلك -بحيث يتخلى الطالب عن كثير من الأخلاقيات الحسنة والقيم النبيلة، ويُهمل الدراسة، وتكون الأمية العلمية والفكرية مسيطرة عليه- فإنه لا غرابة أن نرى الوطنية مجرَّد شعارات زائفة وكلمات براقة ومظاهر خداعة؛ حيث يكون كذب الحديث عنوانه، والغش والتزييف وضرب القوانين والأنظمة عرض الحائط ديدنه، والتسيب في العمل والتقصير فيه شعاره، والتقليد الأعمى والتخلي عن الهوية الوطنية من سماته، ولا نعجب أن نراه عابثا بالمرافق العامة، متهورا في قيادته، مفحِّطا بسيارته في الشوارع، راميا للأوساخ في الأماكن العامة والطرقات كما هو واقع كثير من أبناء اليوم.

... إنَّ طلابنا إذا ترجموا تلك الوقفات الثلاث على أرض الواقع وما تحويه من مضامين ودلالات؛ فإنهم سينالون -بإذن الله تعالى- نصيبا وافرا من حظَّي الدنيا والآخرة، وستسعد بهم البلاد والعباد، وعلينا -آباء ومعلمين ومربين- أن نكون عونا لهم في ذلك، ناصحين وموجِّهين.. والله المستعان.

[email protected]