الخميس, 20 سبتمبر 2018

خبر : قراءة في كتاب أهل الطريق (2) "الاختفاء"

الجمعة 05 يونيو 2015 03:30 ص بتوقيت مسقط

يحتوي كتاب أهل الطريق لمؤلفه أوشو، والذي ترجمه د. محمد ياسر حسكي، على ستة عشر فصلاً، يبدأ بفصل "نوع من السحر" وينتهي بفصل "زهرة اللوتس في بحيرة الفراغ" إنه يد المتصوف التي ترشدك إلى الطريق، إنه عالم التصوف، عالم أهل الطريق. شخصيًا لم أتخيل قط أني سأقرأ كتاباً كهذا، لطالما كان الحديث عن التصوّف ضربًا من السحر في مخيلتي ولربما الآن أصبح منفذ عبور لعالم مختلف. يقول أوشو "التصوف هو جوهرة جميع الأديان الأساسية، يمكن أن يوجد التصوف دون علاقة بدين، ولكن لا يمكن أن يوجد الدين دون التصوف، فلا يقوم الشيء دون جوهره، بينما يزداد الدين حيوية مع الوصول إلى جوهره". ويؤكد كذلك على أنّه لا توجد علاقة بين التصوّف والدين أو عقيدة أو مذهب أو قانون أو كنيسة معينة، فماذا عساه أن يكون؟.

يبدأ الكاتب الفصل الثاني من كتابه بسؤاله: هل نشأ التصوف كردة فعل على الدين أم هو سابق للدين؟

يقول أوشو: "إنّ التصوف هو رد فعل على مؤسسات الدين، وجوهر الدين، إنه موغل في القدم وهو ينتمي إلى الحداثة في الوقت نفسه ".إذن هو جوهر الأديان ومناهض لمؤسسات الدين، فكلما خرج رجل إلى البشرية مثل" بوذا" أو " المسيـح" لأبد أن تقوم البشرية بتحويل هؤلاء الأفراد إلى أصولية لأنهم يثقون بالأشياء المزيفة. غير أن الحقيقي يغير الإنسان فهو ليس كمثل الذي يبحث عن دمية يلعب بها تلك هي الأصولية وتلك هي الكنيسة. فقد يتغير المزيف بدون تغير أناه المزيفة لأن الأمر لا يخترقه ولا يغيره فيبقى كما هو.

ومن أجمل ما تحدث عنه الكاتب مبدأ التوجه الحقيقي للصلاة، فإذا كان التوجه حقيقيا فإن الشخص سيموت ولن يعود كما كان قبلها بل سيكون شخصاً مختلفًا، إنها الصلاة الحقيقية هي موت ثم بعث. فالحقيقي ليس كالمخادع الذي يذهب للمعبد أو الكنيسة أو المسجد أو مكان الصلاة ويتظاهر بأداء الطقوس والحركات، إنه مزيف يبحث عن التوقير في أعين الآخرين، " إنها تجعل حياته أكثر سلاسة ولكنها لا تغيره البتة". أشاطرك الرأي يا أوشو إنه الوهم الذي يتغذى عليه الكثيرون منّا لأنه يغلفهم، إنه الوهم الذي يسلب أرواحهم من البعث من جديد. توقفت عندها وأغرقت نفسي بالتفكير في صلاة الفجر بالتحديد التي لطالما تخلفت عن موعدها، وأنا أدرك تمامًا أن روحي تفتقد لذة اللقاء بالإله لحظة الاستيقاظ من سباتها؟ فالأمر ليس عبثيًا، إنّ رغبة اللقاء بك عظيمة، فكيف أقابلك يا إلهي لمجرد أنه يجب عليّ فعل ذلك في ذاك الوقت بالتحديد؟ كيف؟ إنّي أشعر بالخجل لمجرد اللقاء فقط لمجرد إخماد الشعور بالتأنيب، إذا لم أشعر بلذة لقائك فسأكون أشد بؤسًا. يقول أوشو "إنّ الحقيقي يدفعك للجنون والشجعان نادرون حقاً وهم الذين لهم شرف اللقاء بالحقيقي".

إنّ الدين المزيف يتمتع بالقوة والغوغاء والكثرة العصبية التي تسانده، غير أن الغوغاء لا تخلق "عيسى" أو" سقراط". إنه الأمر ذاته حين يصطدم الأعلى بالأدنى ويقوم بتدميره. فكيف حين يتصادم الإله مع العالم والحب مع الشهوة؟ فمن سيصمد؟.

وذكر الكاتب قصة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وكيف أنه اضطر للقتال بشكل مستمر وأن يشن الحروب ويقضي حياته في نصرة الإسلام، وهو النبي الذي كتب على سيفه "الحب والسلام"، إنه رسول الحب والسلام وهو صاحب أرق القلوب في البشرية. بإمكان أي فرد أن يرى التناقض، فقط اضطر الحب أن يحمل السيف بسبب المجانين. فلم يكن لديه فرصة لجلب المزيد من الإله إلى هذا العالم.

يقول أوشو"عندما يقوم صوفي آخر من جديد بإعادة الإله، فسيكون صديقا للنبي وعدوا لرجال الدين". إن الأصولية والتطرف هما عدوا الدين، غير أنهما يحدثان دائماً وهذا طبيعي". هكذا هو الأمر عندما يصبح النبي مؤسسة أصولية. ويقول: "إن جوهر الدين وأساسه يكون دائمًا ضد الدين المؤسساتي. لقد كان الصوفية عمق القلب، ولكن القلب ضد الدماغ والتفكير، يعيش الكاهن في الرأس، بينما يعيش رجل الصلاة في القلب".وأسهب أوشو في وصف رجل لغة القلب، رجل الصلاة، الصوفي الذي باستطاعته فهم رجل لغة الرأس/ الكاهن كما يسميه، فمن يكون أعلى القمة يفهم الذي يسكن الوادي ولكن لا يمكن للعكس أن يحدث. يقول أوشو : "إن رجل الدين أعمى ولم يسبق له رؤية النور، إنه يعتقد ويؤمن به فقط، بينما نجد الصوفي قد رأى النور، ولم تعد المسألة مجرد اعتقاد. إنه يعرفه ويدركه ويعيه".

أنا أفهمك يا أوشو، أفهمك تماما، نعم أشعر بأن الطريق طال بي، ولم أشعر بلذة اللقاء بعد. في الحقيقة لم أكن أدرك أنّ الظلام الحالك بعده نور، وأنه من يعش الظلام سيدرك النور يوما. اعترف أني ما زلت غارقة في سواده، ما زلت أفتش بداخلي عن بصيص منه، أريد أن أراه بداخلي قبل أن أراه بالخارج. يقول الكاتب "يفتح الحب عيون القلب" فمتى ستفتح عين قلبي يا إلهي متى؟.

إنّ الصوفي كما يقول أوشو لن يقدم لك عقيدة أو مبدأ ولكن سيقدم لك النصيحة، سيقدم لك تأملا، إنه يرشدك ببطء لتشعر وترى رويدًا رويدًا، إنّه يرشدك إلى المذاق، إنه يرشدك إلى الطريق لكي تعرف الإجابة. فلما حياة الخفاء لدى الصوفية؟.

سئل صوفي معروف" ما الاختفاء"؟

قال" سأجيب عن ذلك عندما أجد توضيحا مناسباً".

فالصوفية يريدون أن يعيشوا الدين الحقيقي فقط" إنهم لا يسمحون للأسماء والشهرة باستخدام طاقاتهم إنهم يوجهونها إلى الذين يتشوقون إلى الإله، فالصوفية لا تحتاج إلى الجموع إنها تهتم بالأفراد الضروريين فقط. إنهم يصبحون مخفيين أمام الناس غير المناسبين. ويشرح أوشو أن هناك عدة أنواع من الناس في العالم: الفضوليون وهم يضيعون الأوقات، ومحققون وهم أفضل من النوع الأول لأن هناك احتمال أن ينضجوا والنوع الثالث الباحثون الحقيقيون الجاهزون. فالصوفية تكمن في النوع الثالث، إنهم مستعدون لفقد حياتهم من أجل الحقيقة من أجل الحصول على الإله، فكل شيء بالنسبة لهم دون قيمة ماعدا الحقيقة. إذن يجب أن تتحلى بالشجاعة وتتخلى عن الكثير وتتعمق أكثر في سبيل الوصول إلى ذاتك.

استوقفتني هذه العبارة كثيرًا، بالرغم من أنّ المكان الذي أجلس فيه الآن صاخب جدًا، إنه يعج بأصوات الأطفال وشجارهم، بطلباتهم، بقرقعة الصحون والملاعق، الموسيقى التي تصدح في هذا المكان، هذا الجمع كله أصبح لا شيء في لحظة واحدة صمت كل شيء، لم أعد أشعر بما حولي، أحسست حينها أني انفصلت عن العالم، يا إلهي كم هو مخيف أن تقرر أن ترى ذاتك فقط؟ أشعرتني بغربتها وكأنها كانت في سفر طويل وترغب بالرجوع.

يقول الصوفية هناك صفتان للبشرية: "الغفل" وهم الأشخاص النائمين وغير الواعين. والآخرون هم الذين يبحثون كي يتذكروا ذواتهم ولديهم لغة مختلفة. إنّه البحث عن الإله. إن الصوفية عارفون فهم ليسوا مؤمنين ليسوا جامدين أو متحجرين، لقد تذوقوا خبرة الإله، عيونهم تمتلئ بالانشراح والنشوة وقلوبهم بالفرح، إنهم دائمو التدفق. "علينا أن نعيش الدين عوضًا عن أن نؤمن به".

ومن أهم التساؤلات التي شدني إليها الكاتب: لماذا يا ترى يعيش بعض المؤمنين والمطبقين لتعاليم الأخلاق والملتزمين طيلة حياتهم بالتعاسة؟ لماذا؟ شخصياً إني أراهم، أشعر بهم، فهم كثر حولي، إني أراهم في تزايد، إنهم لا يعترفون بتعاستهم إنهم يغلفونها بأوهامهم، إني أشعر بهم يا أوشو؟.

يقول الكاتب:" إن الإنسان غير الخلوق هو الذي يتبع القواعد الأخلاقية فقط لأنه يجب أن يتبعها، أما الإنسان الخلوق فليس لديه قواعد يتبعها، لأن فضائله بريئة، إنه طيب لأنه سعيد".

إن الفضيلة الحقيقية متجسدة في كينونتك، كن أكثر تأملاً بدل أن تكون أكثر فضيلة، وتذكر أنّ لكل فرد يجب أن يجد انضباطه الخاص به، فلا تتبنى انضباطا ميتًا، لا تضع إطارًا لكينونتك، لأن ذاتك لن تنضج بعدها. وتذكر أيضًا أن مبدأك لن يلازمك دائمًا فأنت في تغير مستمر، ستواجه مواقف جديدة تستدعي منك أن تستجيب بطرق جديدة. وتذكر أن الحرية تتبعها السعادة وهي تأتي بالبركة والنعمة. الأحرار فقط هم السعداء، فكن حرًا. فكيف السبيل إلى ذلك؟.

ويسرد المؤلف هذه القصة: جاء رجل إلى منزله ثلاث مرات فوجد زوجته مع رجل آخر على الأريكة، فقرر أنه قد بلغ السيل الزبى فقام بالتخلص من الأريكة. ولكن ما علاقة الأريكة بالموضوع؟ كذلك الحال فيمكنك أن تحرق الكتب المقدسة ويمكنك التخلص من القوانين ولكن سرعان ما تجد بديلاً، فلا يتغير الحال، "يجب أن يتغير شيء بداخلك". إنّ النّاس اليوم مستمرون في القوانين الثابتة فهي تشعرهم بالراحة والأمان، إنّهم يغطون في نوم عميق، ولربما يخافون من التغيير ولا يدركون أنّ الحياة بالمخاطرة تجعلها مغامرة عظيمة واستكشافًا للمجهول.

وينهي الكاتب هذا الفصل بطلبه منك أن تكون حاضرًا بوعيك وألا تتمسك بالقوانين وأن تحرص على الفعل وليس ردة الفعل، أن تنطلق في وعيك، وأن تطلب السعادة وأن تقرع أبوابها، فكل شيء بمجرد أن تطلبه يصبح ملكك. وتذكر دائمًا "أن العيش بحرية يتطلب الكثير من الإدراك".