سلمى بنت سيف البطاشي
قد تحفظ الوثائق أسماء شخصيات لم تحظ بتراجم مستقلة في كتب السير، لكنها تترك إشارات تستحق البحث والتأمل، وتفتح أمام الباحث أبواباً للتقصي عن أصحابها، وما كان لهم من مكانة في محيطهم العلمي والاجتماعي. ومن هنا تنبع أهمية الوثيقة التأريخية؛ فهي لا تقتصر على تسجيل الوقائع، بل قد تحمل في كلمات قليلة دلالات تقود إلى البحث في سيرة شخصية لم تنل حظها من التعريف.

ومن هذا المنطلق، استوقفتني وثيقة تتعلق بصلح بين قبيلتي بني بطاش وبني عرابة حضره الوالي سيف بن حنظل بن أحمد البوسعيدي أحد ولاة السيد سلطان بن أحمد البوسعيدي، في القرن الثالث عشر الهجري، وورد فيها ذكر الشيخ الثقة غسان المعمري وقد دفعني هذا الوصف إلى البحث عن صاحب الاسم، ومحاولة التعرف على دوره في الواقعة التي سجلتها الوثيقة؛ ولم يقف الأمر عند حدود الوثيقة إذ نقل إليّ أحد أحفاده، وهو الوالد محمد بن خلفان بن عمر المعمري، بمعلومات تتصل بدوره في هذا الصلح، مستنداً إلى ما أخبره به سيدي الوالد الشيخ سيف بن حمود البطاشي رحمه الله، من أن الشيخ غسان سعى جاهداً للإصلاح بين الطرفين، حتى استقرت الأمور على ما اتفقوا عليه فيما بعد كما جاء في وثيقة الصلح.
وهكذا اجتمع أمامنا شاهد مكتوب يسجل حضور الشيخ غسان في مجلس الصلح، ورواية شفوية تلقى الضوء على جهوده في الوصول إلى الوفاق. وللاقتراب من تفاصيل هذه الواقعة، نبدأ من الوثيقة التي حفظت لنا خبر هذا الصلح، وما ورد فيها من إشارات إلى أطرافه والحاضرين فيه. .... [سيف بن حنظل بن أحمد البوسعيدي بأني حضرت بني بطاش بلعرب بن شامس و...... ابني عمر وبني بطاش والشيخ الثقة غسان بن محمد بن غسان المعمري وبني عرابة محمد بن عبدالله ....... ووقع الصلح والسداد بينهم على ما فات كافة من قتل وسفك دم ونهب أموال .... المذكورين ومن حالة حالهم ولا ... لأحد منهم على صاحبه حجة ولا دعوى ... حجرة العليا المهدومه موقوف بنيانها لإخلالها رأس الفتنة وكذلك بنيان السوابق البرج ... كذلك بناهن وبيت عجما مثلهن موقوف بناءه الذي للسوابق وانقطعت الدعاوي كافة على محضر الولد سعيد بن محمد وأخيه ناصر والولد حماد بن سعيد وسالم .. الهناوي وسليمان بن ناصر السبتي وسالم بن علي وحمد بن ناصر وحماد بن محمد وجميل بن محمد... بن علي العوامر وسيف بن أحمد السبتي وسليمان بن محمد الهناوي وأحمد بن محمد الحارثي وسليمان بن ورد والمر بن علي بني وهيب وكتبه سيف بن حنظل بيده. 20 جمادى الأول سنة 1236 والذي ينكث ويخون خاين الله ورسوله كتبه سيف بن حنظل بيده والسكون موقوف في حجر العليا غير الذي يريد يسكن في بنيان خوص كتبه سيف بيده.] وعلى الرغم من محدودية المعلومات المتاحة عن الشيخ المعمري، فإن ما ورد في الوثيقة، وما نُقل من رواية شفوية بشأن دوره في الصلح، يقدّم لنا مدخلاً للتعرف على جانب من جهوده في الإصلاح بين القبيلتين. كما عثرت على حكم شرعي يحمل لقب العائلة التي تنتمي إليها أحفاد الشيخ ويقال لهم أولاد بيت سعيد والذي صدر يوم 20 ربيع الثاني 1388هج/ 15 يوليو 1968م والذي كان بمحضر الشيخ القاضي خلفان بن سيف المحروقي والشيخ القاضي خالد بن مهنا البطاشي وغيرهم رحمهم الله جميعاً ويضيف هذا الحكم شاهداً وثائقياً آخر إلى المادة التأريخية المتاحة وخطوة نحو إنصاف شخصية تستحق أن تجد مكانها في الذاكرة التأريخية.
