ذاكرة عُمان المُتقدة

 

مدرين المكتومية

على مدى 3 أيام ووسط حضور لفيف من الخبراء والباحثين والمؤرخين، تُرسِّخ هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية جهودها لحفظ وصون تاريخ محافظة جنوب الباطنة، في جهد متواصل ينتقل من محافظة إلى محافظة، سعيًا لتوثيق كل ما يحفظ لعُمان ذاكرتها المُتقدة.

في ندوة "محافظة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني"، والتي سعدتُ كثيرًا بتغطيتها واستفدتُ أكثر من حجم المعلومات والوثائق المعروضة، نجحت هيئة الوثائق في أن تُعيد كتابة التاريخ بناءً على الشواهد والوثائق الدامغة التي لا تقبل التأويل ولا التحريف، في خطوة هائلة عكست حجم الجهد الذي تبذله الهيئة من أجل أداء مسؤولياتها والوفاء بواجبتها الوطنية تجاه عُمان وأبنائها الكرام. وتأكيدًا لهذا الجهد الكبير.

وترتكز الندوة على أربعة محاور، أولها المحور التاريخي والسياسي، وثانيها المحور الاقتصادي، وثالثها المحور الاجتماعي، ورابعها المحور الثقافي والعلمي، وقد أجاد الباحثون بخبراتهم في هذه المحاور الأربعة، ما أسهم في تقديم رؤية بانورامية شاملة حول مختلف الجوانب المتعلقة بمحافظة جنوب الباطنة في الذاكرة الوطنية العُمانية.

وفي اليوم الأول من الندوة، جرى تقديم 6 أوراق عمل، بجانب عروض مرئية وفيلم وثائقي، يرصد الجوانب التاريخية والتراثية لمحافظة جنوب الباطنة، إلى جانب إبراز الجغرافيا التاريخية لمحافظة جنوب الباطنة، والتحصينات الدفاعية، والحضور العُماني في شرق أفريقيا، والمنظومة الإنتاجية في عهد اليعاربة، وصورة المحافظة في كتابات الرحالة. كما قدم الدكتور علي بن سعيد الريامي والدكتور ناصر بن حمد الغناني ورقة مشتركة بعنوان "الأبراج الدفاعية في مركز ولاية نخل: دراسة تاريخية في الدور والموقع وتقنيات التحصين"، في مسعى بحثي يستهدف توثيق الأبراج الدفاعية في ولاية نخل بوصفها عنصًرًا محورًيًا ضمن منظومة التحصين التقليدية في سلطنة عُمان. ولم تتوقف أوراق العمل عند الجوانب الدفاعية والعسكرية، وإنما تطرقت كذلك إلى الجوانب الاقتصادية والإنتاجية، بهدف تسليط الضوء على الأنشطة الزراعية والصناعية والتجارية. لكن من بين الأوراق العميقة والمؤثرة التي يمكن الحديث عنها ما قدمته الدكتورة مريم بنت حميد الغافرية حول "محافظة جنوب الباطنة في كتابات الرحالة"؛ حيث طرحت "قراءة تحليلية في تمثلات المكان في الذاكرة التاريخية العُمانية"، وقد برعت الدكتورة مريم في استعراض أوصاف مدن وقرى جنوب الباطنة كما وردت في كتب الرحالة، سواء من العرب أو الأجانب، وأبرزت كيف أسهمت هذه الكتابات في بناء سردية تاريخية أضحت بالفعل جزءًا من الذاكرة التاريخية العُمانية، وعكست ما تزخر به جنوب الباطنة منذ القدم من تنوع حضاري وثقافي، أسهم في تشكيل منظومة إبداعية برهنت مدى حرص الإنسان العُماني على الأخذ بأسباب التقدم والتحضُّر.

وفي اليوم الثاني من الندوة، استعرض الباحثون نحو 11 ورقة علمية، تطرقت إلى مسارات القوافل والتجارة والموانئ والأفلاج والأوقاف، علاوة على إعادة طرح موضوعي وموثق للمواقع الأثرية والنقوش والكتابات الصخرية، مع تسليط الضوء على ما أنتجته المنظومات الحضارية في جنوب الباطنة على مر التاريخ من نتاج أدبي ولغوي، سواء في الشعر أو النثر أو البلاغة أن علوم اللغة، وغيرها.

ولعل من أبرز ما لفت انتباهي على المستوى الشخصي، اهتمام الندوة بإبراز أدوار المرأة العُمانية بالمحافظة خلال مراحل التاريخ المختلفة، وإسهاماتها في شتى مناحي الحياة، مثل الزراعة ورعاية الأبناء وتقديم الدروس الدينية وغيرها الكثير.

إنني لأشعر بمزيج من الفخر والسعادة، في كل مرة أقوم فيها بواجبي الصحفي والإعلامي، وأنفذ التغطية الإعلامية الواجبة لأنشطة وفعاليات هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، في مسيرة ممتدة منذ نشأتها، وذلك من منطلق علمي واطلاعي على ما يُبذل من جهود لحفظ الذاكرة الوطنية، وصون تاريخنا العُماني، وحماية الهوية الوطنية، في ظل ما قد نواجهه من تحديات بسبب الحروب الثقافية ومحاولات الانسلاخ الفكري، وهجمات التزييف والتحريف، خاصة في الفضاء الرقمي الذي لا تحده حدود.

وختامًا.. أرجو أن تتحول مخرجات هذه الندوة وغيرها من الندوات إلى كُتب وإصدارات مُتعددة، جزء منها مُخصص للباحثين والمختصين، لكن الجزء الأهم منها، يجب أن يكون مُخصصًا لأبنائنا وبناتنا من الأجيال الجديدة الصاعدة، التي ربما لا تعرف عن تاريخها إلا اليسير، وهذا مقترح أرفعه لسعادة الدكتور رئيس الهيئة، لإصدار مطبوعات مخصصة للنشء بأسلوب بسيط بعيدا عن التعقيدات اللغوية أو الإحالات البحثية، فضلًا عن تحويلها إلى أفلام كارتون مولدة بالذكاء الاصطناعي، ونكون بذلك قد استفدنا من التقنيات الحديثة ووظفناها فيما نسعى إليه جميعًا.

الأكثر قراءة

z