د. خالد بن علي الخوالدي
لعَمري إنِّها شهادة تعلق على صدر كل عُماني أينما حلَّ وارتحل، شهادة نبوية عظيمة في أخلاق أهل عُمان، وحسن تعاملهم مع الآخرين، واحترامهم للإنسان مهما اختلف معهم، شهادة مضى عليها أكثر من أربعة عشر قرنا، وما زالت تمثل مصدر فخر واعتزاز لكل عُماني، ومسؤولية أخلاقية تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، إننا فخورون جدا بما قاله الحبيب والقدوة والمربي رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو أنَّ أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك".
ما أعذبها من كلمات وما أجملها من أخلاق، وما أرقاها من شهادة، وما أبلغها من جملة بسيطة في عدد كلماتها وعميقة في معناها، إنها معجزة بلاغية ممن أؤتي مجامع الكلم، وعلى ضوئها عرف العُماني عبر تاريخه بالتسامح والاعتدال والحكمة، وبقدرته على التعامل مع المختلف دون إساءة أو تجريح، وهي صفات لم تأتِ من فراغ، وإنما تشكلت عبر قرون من التربية والقيم الإسلامية الأصيلة والتجارب الحضارية التي جعلت من عُمان أرضا للتعايش والسلام، ومن الإنسان العُماني نموذجا في احترام الآخرين، حتى أصبح حسن الخلق جزءا أصيلاً من شخصيته وهويته الوطنية.
وجاء بيان النيابة العامة الأخير الذي دعا إلى التحلي بالوعي والمسؤولية والحكمة في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، والابتعاد عن الإساءة إلى الدول ورموزها وشعوبها، ليُؤكد أهمية المحافظة على هذه القيم، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، خاصة في ظل ما نشهده أحيانا من سجالات إلكترونية تتجاوز حدود الاختلاف المشروع إلى السب والشتم والإساءة والتحريض.
ولا شك أنَّ بعض التصرفات التي تظهر من حين إلى آخر عبر منصات التواصل الاجتماعي لا تمثل أخلاق المجتمع العُماني ولا تعبر عن قيمه الراسخة، وإنما هي ممارسات فردية لا يجوز تعميمها على شعب عرف برقي أخلاقه وسماحة تعامله، فالعُماني الأصيل لا يحتاج إلى الإساءة للآخرين حتى يدافع عن وطنه، ولا إلى التجريح حتى يثبت قوة موقفه، فالكلمة الراقية أقوى أثرا والحجة الرصينة أبلغ من الشتيمة واحترام الآخرين لا يعني التنازل عن المبادئ والثوابت.
وإذا كانت سلطنة عُمان قد اتخذت موقفا واضحا في مواجهة هذه التجاوزات، فإننا نتطلع إلى أن تمتد هذه الروح إلى مختلف دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية والإسلامية، من خلال تعزيز التشريعات والإجراءات التي تحد من خطاب الكراهية والإساءات المتبادلة، وتحمي المجتمعات من الفتن المذهبية والقبلية والطائفية، دون المساس بحق النقد المسؤول والتعبير المشروع عن الرأي.
الخلاف قد يبدأ بتغريدة والإساءة قد تشعل سجالا بين أبناء شعبين شقيقين وحساب مجهول قد يزرع الفرقة بين مجتمعات تجمعها روابط الدين والتاريخ واللغة والمصير المشترك، والمؤسف أنَّ البعض يتحول دون أن يشعر إلى أداة لتوسيع الخلافات، فينقل الإساءة ويُعيد نشرها ويضيف إليها، حتى تصبح مواقع التواصل ساحات للصراع بدلاً من أن تكون جسورا للتقارب والتفاهم.
إننا بحاجة إلى ميثاق أخلاقي خليجي وعربي للتعامل عبر الفضاء الرقمي، وإلى وعي مجتمعي يرفض الإساءة مهما كان مصدرها، ويؤمن بأن الدفاع عن الأوطان لا يكون بإهانة أوطان الآخرين، وأن الاختلاف السياسي أو الفكري أو المذهبي لا يمنح أحدا حق التطاول على الشعوب ومعتقداتها ورموزها.
ورسالتنا إلى كل عُماني خاصة الشباب الذين يمثلون الحضور الأكبر في العالم الرقمي، تذكروا دائما أنكم تحملون اسم عُمان في كلماتكم وتعليقاتكم ومواقفكم، وأن أخلاقكم لا تمثلكم فقط وإنما صورة لوطن عظيم وتاريخ مشرف.
وإن أجمل وفاء لتلك الشهادة النبوية ليس أن نرددها بفخر، وإنما أن نجسدها سلوكاً وأن تبقى أخلاق العُماني كما عرفها التاريخ، احتراما عند الاختلاف وحكمة عند الغضب ورقيا حتى مع من يسيء إليه، فالأوطان لا تعرف فقط بما تبنيه من عمران وإنما أيضا بما يحمله أبناؤها من أخلاق.
ودُمتم ودامت عُمان بخيرٍ.
