ماجد بن علي الهادي
تسعى نحو المثالية (أو الكمالية) وتضع في اعتبارك الأسس والمعايير الحياتية العالية الجودة؛ التي سيرتكز عليها نمطك السلوكي على مختلف أشكاله وأنواعه، وتفترض جزافا بأن هذا النمط السلوكي سيؤثر على من هم حولك، متوقعا مدى الإتقان الذي سيظلل شخصيتك وحالتك الكاريزمية.
لكنك ستغفل عن الأهم ألا وهو هناك صنفين من المثالية (المثالية الصحية، المثالية المفرطة) الأولى: تدفعك للتحسن والنمو، وتعتبر الخطأ جزءًا طبيعيًا من التعلم، والثانية: تدفعك للخوف من الفشل والنقد، وتجعلك تعاقب نفسك بقسوة عند أي تقصير. مع العلم بأن الوصول للمثالية والكمال بمعناها الحقيقي البحت يعد من الصعوبة إن لم يكن من المحال. ولكن ولنقنع أنفسنا التواقة إلى فرض شخصيتها في الكثير من الأمور، بأننا سنصل الى تلك المثالية. يتطلب منا ذلك السعي جهودا حثيثة وتضحيات مريرة، نحتاج إلى وضع توقعات وتصورات غير واقعية تتجاوز القدرات أو الظروف الحالية، نرفض مبدأ التسويف وتأجيل المهام خوفًا من عدم تنفيذها بالشكل الكامل، نتقبل النقد الشديد للذات وعدم الشعور بالرضا مهما بلغ حجم الإنجاز، نعزز قيمة ومعنى الخوف العميق من الخطأ وربط القيمة الشخصية بنجاح العمل.
هذه الرؤى يجب أن تكون مقرونة بقابلية الشخصية المرنة، الشخصية القادرة على التكيف في كل أنواع الظروف وتقلباتها، المستحوذة على الإلمامات والمعطيات المتوقعة واللامتوقعة، متماشية إلى حد بعيد الامتزاج مع الأمزجة البشرية المتقلبة على شكل مفاجئ.
يُقال إنه لكي تصل إلى هذه الميزة النادرة (التكيف)، يجب عليك أن تُنكر ذاتك، والنكران هنا بمعنى خنق العبرات المحسوسة المتسببة لهيجان الجهاز العصبي. تطويقه وتثبيته في جذع اللامبالاة بحبال الهدوء وحكمة التفاعل. حينها ستغدو المسارات النفسية والعصبية مرنة وسلسة، محاكية بذلك (التخيل الخادع) هذا الذي تحكمه الكثير من مقومات التركيز، والقليل من مسببات الانفعال. هذه المتوالية الحسية ستنقلك تلقائيا إلى مرحلة (التأجيج الهادئ) المتواكب وفق المتوالية الحسية مع الاستشارات الذهنية المنبثقة من العقل الباطن.
تدفقات عصبية إيجابية تقذفها براكين المخزنات العصبية، تدفقات متتالية وعلى وتيرة متباينة حسب التعامل الذي يتفاعل معه العقل. النتيجة مكللة بالنجاح هذا لا شك فيه، لأن ميزة التأجيج الهادئ مرهونة بالاتزان العقلي النفسي، ومرتبطة بإنكار الذات. يتعامل البعض مع هذا السعي سواء كان صحي أو مفرط بأنه هوس يتحول في النهاية إلى مرض أو حالة نفسية مزمنة، غير قابلة للنكوص إلا بالانتقام الذاتي المشتعل بكرة الكره من النفس وتأنيب الضمير.
ولكي يتجنب هذا المهلوس هلوسة المثالية، عليه تقبل وبعقلانية واسعة التقدير والإقناع، بأن الكمال لله وحده لا شريك له؛ والإنسان وإن غالبته الثقة المفرطة له حدود وخطوط يستحيل بأن يتجاوزها ولهذا خلقه الله بحكمته العظيمة. وإن أراد أن يختبر عقله المندفع بحماس القوة المزيفة، فليقارن حجمه الجسدي والعقلي بما يفوقه في هذه الحياة، وهناك الكثير والكثير من الحيوات الروحية والجمادية. كما أن برهان الحياة الممنهج يسطع بإشاراته بين الفينة والأخرى بأن الخطوات البسيطة (الناقصة) قد تكون (كاملة) في منظومة هذا المنهاج. نعم أيضا للحوار الداخلي، الحوار والحديث مع النفس بمنظور إيجابي، له أثرا كبيرا واستبدال لوم النفس بالرحمة والتعلم من الأخطاء. نزعات الكمال عادة تكون مرتبطة ومتصلة نفسيا في الخوف وانعدام الأمن، ومن الضغوط الداخلية، كالرغبة في تجنب الفشل أو الحكم القاسي.
ولا يستبعد أن يكون هناك مكون اجتماعي؛ إذ يُعتقد أن المنافسة الأكاديمية والمهنية الأكبر تلعب دورًا، إلى جانب الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي والمقارنات الاجتماعية الضارة التي تسببها. إن شعور العديد من الساعين إلى الكمال بالقلق من أنهم إذا تخلوا عن الدقة والضمير فسوف يضر ذلك بأدائهم ومكانتهم، هو الديدن الكبير الشاغل لتفكيرهم وهاجسهم لذلك فهم في سعي حثيث نحو المثالية (أو الكمالية). متجاهلين أو متكاسلين الوضع في الاعتبار الأسس والمعايير الحياتية العالية الجودة؛ التي سيرتكز عليها النمط السلوكي على مختلف أشكاله وأنواعه. وعليه فإن السعي الحثيث سيتحول إلى (سحابة صيف) رغم ثقلها وكثافتها فهي عقيمة المطر، تبصرها العيون وتأمل الارتواء، لكن ظلها الثقيل زاد من حرارة الجو واختناق النفس فتحول المرأى الإيجابي إلى سلبية الشعور.
"السماء هي العقل والسحابة هي الأفكار".
