د.عبدالله الأشعل **
مع الاعتذار للشاعر الكبير نزار قباني، استعرت العنوان من قصيدته الشهيرة المعنونة "متى يعلنون وفاة العرب" التي كتبها وقرأها في بيروت في سبعينيات القرن الماضي.
فالأمم المتحدة قامت عام 1945 منذ 81 عامًا وحلت محل عصبة الأمم التي قامت عقب الحرب العالمية الأولى عام 1918. وقامت الأمم المتحدة على أساس أحلام المنتصرين في الحرب بعالم يسوده السلام ولكن قبل أن يجف الحبر الذي كتب به الميثاق اندلعت حرب جديدة بين الغرب والشيوعية اسمها الحرب الباردة.
وكان أن قسم العالم بين هذين المعسكرين وكان من نصيب العالم العربي الاتفاق بين موسكو وواشنطن على زرع إسرائيل ولذلك أطالب بوتن بالاعتذار للشعوب العربية والشعب الفلسطيني عن عدم فهم موسكو يومها للمشروع الصهيوني الذي ساهمت في إنجاحه.
وكانت الدول العربية الحليفة لموسكو هي: مصر والعراق وليبيا وسوريا واليمن الجنوبي والجزائر. أما الدول العربية التي كانت تابعه للغرب فهي بقية الدول العربية. وأما سلطنة عُمان فقد حافظت على استقلالها في الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن؛ فلم تنحَزْ إلى أيٍّ من المعسكرين.
وكان قيام الأمم المتحدة مشجعًا لقيام الوكالات المتخصصة غير السياسية وكذلك المنظمات الإقليمية. أما الأخيرة فقد ماتت منذ زمن طويل؛ فالجامعة العربية ماتت منذ عقد الرئيس المصري أنور السادات صلحًا منفردًا مع إسرائيل عام 1979؛ فاضطرت الدول العربية لكي ترغم مصر على العودة للعروبة أن تتخذ إجراءين: الأول هو فرض عقوبات صارمة على مصر. والثاني هو المخاطرة بانتهاك ميثاق الجامعة، ونقل الجامعة من مقرها الدائم في القاهرة إلى تونس.
أما مجلس التعاون الخليجي فقد تراجع دوره كثيرًا يوم غزو العراق للكويت، وعجز المجلس رغم توفر الأسلحة والأموال اللازمة عن مساندة الكويت في مواجهة صدام حسين.
وكانت مصر قد تصدت للعراق عام 1961 عندما أعلن خطته بغزو الكويت وعقدت الكويت اتفاقية مع بريطانيا 1962 برحيل القوات البريطانية، ولولا مصر لكانت القوات البريطانية قد احتلت الكويت مرة أخرى إلى الآن.
وبالمناسبة الكويت هي أول دولة عربية ترسل لها مصر بعثة قضائية وثقافية على حسابها عام 1919؛ فالعلاقة بين مصر والوسط العربي سابقة على شعارات القومية العربية التي أدخلها الرئيس جمال عبدالناصر في خمسينيات القرن الماضي.
أما الاتحاد المغاربي فقد وُلِدَ ميتًا بسبب العداء بين المغرب والجزائر منذ عام 1964 أي قبل نشأة قضية الصحراء في عام 1975 .
أما الاتحاد الأوروبي، فقد انهار يوم خرجت بريطانيا منه، وسوف تُعلن وفاته خلال سنوات قادمة؛ فلا الاتحاد الأوروبي صمد ولا بريطانيا تماسكت، وهناك نزعات انفصالية في بريطانيا. وخلال السنوات القليلة القادمة لن يكون هناك بريطانيا؛ إذ يهددها الانفصال كما يهددها ارتفاع درجة الحرارة والتغير المناخي الذي يلتهم مُعظم الجزر البريطانية.
أما المنظمات الآسيوية، فقد ازدهرت بفضل الصراع بين الصين والغرب. أما المنظمات الإفريقية كالاتحاد الإفريقي الذي نشأ خلفًا لمنظمة الوحدة الإفريقية عام 2002؛ فتواجهه مشاكل كثيرة منها انحيازه لأثيوبيا ضد مصر والسودان في سد النهضة، وبدلا من الاحتشاد ضد إثيوبيا لإقناعها باحترام القانون الدولي للمياه فضَّل الاتحاد الإفريقي غض الطرف بسبب الضغوط الأمريكية والإسرائيلية وسوف ينهار الاتحاد الإفريقي خلال سنوات.
أما وفاة الأمم المتحدة؛ فسببها أنها قامت على أوهام المنتصرين. وقد ضُرب المعول الأساسي في بنيان الأمم المتحدة هو الدول الغربية التي ثبت من قضية أوكرانيا وقضية غزة أن أمريكا تنتهك بحرية الميثاق ومبادئه كما تنتهك القانون الدولي في أوسع معانيه.
فمثلا تجاهلت أمريكا قرارات مجلس الأمن حول القدس الشرقية، وقام الرئيس دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية عام 2018 من تل أبيب إلى القدس الشرقية المحتلة. وهناك دعوى أقامتها الدولة الفلسطينية ضد أمريكا منذ ذلك الحين وقامت أمريكا بتشويه صورة القضاء الدولي والضغط على القضاة في محكمة العدل الدولية لإبطاء الإجراءات كما قامت بإعلان الحرب على المحكمة الجنائية الدولية وقاد الكونجرس هذه المعركة.
كذلك قرر ترامب من تلقاء نفسه إلحاق الجولان السوري بإسرائيل رغم قرارات مجلس الأمن عام 1980 التي تؤكد وضع الجولان السوري المحتل عام 1980 .
وكذلك ترامب أعلن أنه يسعى لإقامة إسرائيل الكبرى على حساب الأراضي العربية في دول مستقلة وأعضاء في الأمم المتحدة. كما سخَّر ترامب وسابقوه من الرؤساء الأمريكيين الفيتو في مجلس الأمن لخدمة إسرائيل وحماية جرائمها والإفلات من العقاب.
ولن ينصلح حال الأمم المتحدة رغم دعوات الإصلاح منذ سنوات؛ لأن طبيعة الأمم المتحدة ومؤسسات المجتمع الدولي قامت أصلًا لخدمة المصالح الغربية. وقد كشفت أزمة أوكرانيا أمرين؛ الأول: أن حقوق الإنسان والديمقراطية مجرد شعارات يتم المتاجرة بها. والثاني: أن قانون المجتمع الدولي صيد ثمين لأمريكا وإسرائيل ويستحيل إصلاح الأمم المتحدة وكذلك النظام الدولي كما يستحيل في الظروف الراهنة محو النظام الدولي القائم والتنظيم العالمي الحالي وتشكيل تنظيم عالمي ونظام دولي جديد.
وحتى إذا قامت الحرب العالمية الثالثة لن يقوم النظام الدولي ولا المنظمة الدولية وإنما سيفنى العالم ولن يبقى منتصر ومهزوم كما حدث فى الحرب العالمية الثانية.
وواجب العقلاء في هذا العالم أن يعزلوا أمريكا وإسرائيل من خلال إعلانهما عدوا للجنس البشرى وتجنب استخدام السلاح النووي حسبما هدد ترامب باستخدامه في الأيام المقبلة ضد إيران وتنسق إسرائيل مع أمريكا عدوانًا جديدًا على إيران لكسر ارادتها.
واجب الدول الإسلامية وأولها باكستان النووية، أن تلتزم بالتضامن الإسلامي مع إيران وربما هذه فرصة لنهوض القوة الإسلامية بعد أن جرب الاستعمار الغربي والصهيونية. وآن الأوان لكي تقوم القوة الإسلامية وفى مقدمتها الشعوب الإسلامية بالالتزام بصحيح الدين لا بقشوره وتطبيق المبادئ الأساسية للإسلام.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
