إحداهن.. سمراء

 

 

سام محمد

أسمر شوكلاته.. كان وما يزال.. نداء يملأني سرورا وثقة.. وتكسوني ابتسامة لا تُغادر وجنتاي.. وأظل شامخة الرأس طوال يومي.. أخيرًا وجدتُ من أعتز معه بسُمرة جبيني.. كم هو جميل هذا الهتاف.. نداء الغزل.. وأنا محاطة بالبياض الذي يكسو ملامح كل الموجودين من حولي.. وكم هي رائعة أحرف التميز التي تجعل من بشرتي السمراء.. علامة جودة وملكية ثابتة.. لا مثيل لها.. يبحث عنها من امتلأتْ عيناه من ذوي البشرة البيضاء.. ويرى في السمار.. حُلة جمال.. قلَّما وجدها في محيط أيامه.

‏سمراءُ يا بُنّ الـ جمال ونفحِهِ

‏يا قهوةً منها الفتونُ يضوعُ

……………….

‏للسُمر وقعٌ في الوجود وفتنةٌ

‏ولهنّ في عمق الفؤادِ وقوع

أبيات بوصف عذب.. ما زلت أبحث عن كاتبها.. أدخلت في أعماقي إيمان بحقيقة غابت عن أيامي.. بأن لي مكانة بين الوجوه البيضاء من حولي.. وهبتني فرحة نادرة.. ويقين.. بأنني جميلة.. وجدًا.

صدقني.. لا أقصد العنصرية أبدًا.. ولا أرمي إلى فكرة التفرقة بين الأسمر والأبيض.. ولكنني استيقظتُ على واقع أعيشه كل يوم من أيام عمري.. لم أفطن له.. إلا الآن.. كلهن من حولي.. بيضاوات.. ما عداي أنا السمراء.

عندما نجتمع على طاولة.. وأتأمل في كل ممن حولي.. أجد جمال الأبيض يشرق من وجنتي تلك العزيزة.. وحُمرة الشفاه تلمع بين فاه الغالية الأخرى.. وفي كل حرف وكلمة.. يقفز بياض وجوههن أمامي كلعنةٍ.. عليَّ تقبُّل شعوذتها.. والتمتمة بكلمات تُرضي من معي.. حتى أبحث بين سُمرتي عن تورُّد.. وتوهُّج.. ولمعة.. كم أرجو أن يسقط في ناظر أحدهم ليقف مشدودًا.. مدهوشًا.. عند ظهوري.. فليس الجميع من يلتفتُ لتأثير أسمر البشرة إلا بعد تنقيب وبحث وفلترة.

والآن فقط وجدتُ أنّ ما تفردتْ به سُمرتي على تلك الطاولة المزخرفة ببياض الأوجه- رغم أني تأخرتُ كثيرًا في الإقرار بحلاوة الأسمر.. وبتُّ أراها حقيقة لا يجب أن ينكرها أحد- هي ميزة تلّونُ العسل بقشطة الحليب.

كل من حولي.. بيضاوات.. وأحبهن.. ولكن تبهرني حنطية اللون تلك التي تحمل ملامح مخططة باللون البني الداكن.. وسمرة رمل البحر تعلو ناصيتها.. واكتشفُ أنني الوحيدة المتفردة.. بسُمرة القهوة.

بدأتُ طفولتي وأنا استهجن كل من يناديني بالسوداء.. وكأنَّها مذمَّة يُقصد بها تصغيري والتقليل من شأن سماري.. والأمر ذاته في البيت الذي خرجتُ منه.. فهي ليستْ بمديح أبدًا.. فالبياض يكسوهم جميعًا.

وحتى أهرب من نفسي أبتعد عن لبس الألوان الفاتحة.. وتفيض خزانتي من الأقمشة الداكنة الصبغة.. التي تبهر ناظر من يرى سُمرتي مصدر إلهام.. ما عدا غطاء الرأس الأبيض المفروض علينا في أيام الدراسة.. لا أملك تغييره مهما تحذرتُ من أشعة الشمس.

وأنتقل مع سلبية التفكير في لون بشرتي إلى أيام الجامعة.. وألتفتُ لذاك المعجب بزميلة دراسته البيضاء.. وأستهلك عقلي في تسطير معايير الحلاوة بين الأبيض والأسمر.. وبيني وبين الفتيات من حولي.. معايير أساسية وضرورية في هذا الزمن.. وأقف مسلوبة الإرادة.. فلا خيار لدي في التعديل.. ولا حيلة لي في تقاسيم وجهي.. ولكي أخطو للأمام.. بغض النظر عن بشرتي السمراء.. أكحل عيني الواسعتين بالسواد.. وأمارس الابتسامة كثيرا.. لتظهر غمازاتي ويفتتن أحدهم بها.. ولا ينفر من سُمرتي الشوكلاتية.

وأصل إلى عمر الخمسين من حياتي الدنيوية.. وأصادف الكثير من البيضاوات منهن.. واختلف ببشرتي السمراء عنهن.. وأرمي الملام والعتب على نفسي.. لِما جميع من أصادقهن.. بيضاوات.. وأنا السمراء الوحيدة بينهن.. لِم كل أنثى تمر في دنياي.. بيضاء.. عداي أنا السمراء..

وتهربتُ من لقاءات زميلات الدارسة ورفيقات الجامعة.. للسبب ذاته.. كلهن بيضاوات وأنا السمراء.. كلهن جميلات وأنا السمراء.. جميعهن ذات وجنة حمراء.. وأنا السمراء.. حاولتُ قدر استطاعتي أن أحظى ولو بالقليل.. من ذات الحُمرة.. وتلك اللمعة.. ولكن طغتْ سُمرتي على تقاسيم وجهي.. ومع غمازات الخد.. التي تظهر مع حزني.. وسروري.. وعيني الواسعتين اللتين اختبأتا خلف نظارة طبية ضخمة.. اكتفي..

وإذا بنهضة العمر تهبني صفعة الحقيقة.. الصدق الذي أراه في وجنتي.. لا تحمله بيضاء.. والروح الهادئة البسيطة الساكنة بين أعماقي.. لا تتحلى بها بيضاء مُتسلِّطة.. والسريرة المطمئنة لا تفطُن لها نفس بيضاء مُتعبة.. فلا بُد لي من أن أفكر بإيجابية اصطفائي بالسمراء.. والشفاه الرملية ذات الابتسامة اللامعة بحفر تثقب خداي.

كان لا بُد لي أن ابتهج من تودد ذاك الفتى.. في ذلك اليوم التاريخي.. الشاب الصامت معهن.. المتحدث بلباقة معي.. وقد اختارني من بينهن.. رفيقة سمراء للثرثرة معها.. بغض النظر عن بشرته البيضاء.. وعدم اكتراثه لسُمرتي مقارنة بتلك الحسناء البيضاء.. ولا بذاك الشعر الغجري الذي يكسو وجهها.

وبعد كل هذا الفصل.. عدتُ بشرارة واقع جميل.. السمراء هي من أشعلت فتيل الشعراء وألهمتْ قلوبهم.. لأجعل يقيني في سمرائي التي تستحق كل جميل.. وأن ميزان التفاضل.. في الروح الطيبة.. والقلب الساكن.. والعقل الراجح.. ضرورة من ضروريات الحياة.. مثلها.. مثل.. البيضاء..

وأُنهي اعتزازي بالسمراء بالأبيات الجميلة للشاعر الشاعر العباسي.. العباس بن الأحنف..

ولائم في السمر من جهله

مستهلك في البيض ذي محك

فقلت إذ لام مجيبًا له

من يعدل الكافور بالمسك

هتكت في الأدم ستور الهوى

ولذة العاشق في الهتك

وقلت للنفس افتكي في الهوى

فإنما الراحة في الفتك

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z