د. أحمد بن علي العمري
حاولتُ كثيرًا من ذات نفسي أن أتفادى الكتابة في هذا الأمر المُختلط والمتشابك والمُعقد والمعكر والغريب العجيب.
وقد كتبتُ عدة مقالات عن التواصل بين محافظة ظفار العُمانية ومحافظة المهرة اليمنية، لما يربطهما من وشائج وصلة القرابة والنسب والتواصل الاجتماعي عبر العصور، وبحكم العلاقة الحدودية المتواصلة بينهما، والتي ستبقى إلى يوم الدين بإذن رب العالمين.
ولكن تفاقم الأمور في اليمن عامة، وصعوبة المعيشة وتحولها من سيئ إلى أسوأ، جعلني أجد نفسي في وضع لا أحسد عليه، ووجدت من الواجب أن أقول كلمتي في هذا الشأن، طالبًا من الذين يتفقون معي أن يؤيدوا التوجه، ومن يخالفني أن يحترم الرأي والرأي الآخر، وأن يكون اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وهذا تعبير عما أراه شخصيًا ومن نظرتي المحدودة، مبتغيًا أن ما فيه الخير يتحقق لليمن السعيد، وما فيه السوء أن يبعده رب العالمين.
وللشرح والتوضيح، فإنني أقول:
أولًا: أُحيي المملكة العربية السعودية الكبيرة بمكانتها ومقامها، ملكًا ووليًا للعهد وشعبًا، على الحكمة والاتزان والتعقل والرزانة والهدوء في التعامل مع ردة الفعل، وعدم الانجرار خلف المحللين والمضللين والقنوات الإعلامية التي لا تزيد النار إلا وقودًا، ولا الطين إلا بلة، وأنها لم تضع نفسها في طرف مقابل ومضاد لفصيل أو ميليشيا، أيًا كانت مبادئه وتوجهاته وقناعاته.
ثانيًا: إذا بحثنا في التاريخ، لم يثبت أنَّ من غزا اليمن أو تدخل فيها انتصر، حتى سيدنا سليمان عليه السلام (الملك سليمان) لم يدخلها غازيًا، وإنما بالتفاهم والطرق السلمية، وقد سلمت له الملكة بلقيس لما عرفت وتيقنت أنَّه على حق.
وحتى الأتراك في عهد الدولة العثمانية دخلوها ولم ينتصروا، وانهزموا. وكذلك الجيش المصري لم ينتصر عندما دخل في حرب اليمن أيام المُشير عبدالله السلال والضباط الأحرار، على الرغم من أن اليمن كانت تقصف السعودية حينها، ولكن السعودية بحكمتها المعهودة والدائمة لم ترد، وسبحان الله، كأنَّ التاريخ يُعيد نفسه، وما أشبه اليوم بالأمس، ثم تلاشت كل المظاهر، وبقيت السعودية بعزتها وأنفتها.
وفي جنوب اليمن، خرج الإنجليز منها قهرًا مجبرين، وهنا أتذكر أغنية الفنان اليمني الشهير الراحل فيصل علوي، رحمة الله عليه، عندما يقول: (للفدائي في عدن وقفة عظيمة غيرت مجرى الزمن.. يومها بالأرض ثارت والسماء بالنار تمطر.. والفرنجي شل نفسه فوق بابوره وشمر). الفرنجي هنا تعني البريطاني، والبابور هي الناقلة أو السيارة، أما شمر فتعني هرب. لقد قضت الملكة إليزابيث الثانية شهر عسلها عند زواجها في عدن، أيام كانوا يسمونها "هاف لندن"؛ أي نصف لندن.
وهكذا بقيت اليمن إلى يومنا هذا.
ثالثًا: عندما ننظر الآن للوضع والحرب الدائرة في اليمن بين أنصار الله (الحوثيين) والشرعية… نجد لأنصار الله قيادة موحدة وتوجيهات موحدة، لا ثاني ولا ثالث، أما من الجانب الحكومي، فنجد هناك ألوية العمالقة ودرع الوطن والانتقالي، فمن قبل كيف تتوحد هذه القيادات تحت راية واحدة، ولكل قائد مسيرة وموجه؟
كما أن الحل لن يكون عبر من يسكنون الفنادق من مُنظِّرين ومحللين سياسيين وعسكريين، وحتى مسؤولين حكوميين، المشتتين بين السعودية ومصر وغيرهما. على هؤلاء العودة جميعًا للميدان، ودعوة أنصارهم ومحبيهم للالتحاق بهم ومشاركتهم ودعمهم في أرض الميادين، وليس الاكتفاء بالعويل والنواح؛ لأن استمرار الوضع على ما هو عليه، فلن ينتصر أي طرف على الآخر مهما طالت الحرب، ولا أحد منتصر، بل الخسارة للجميع، لليمن واليمنيين.
رابعًا: إنَّ أمريكا بعظمتها عقدت اتفاقًا مع الحوثيين عبر وساطة عُمانية، وتخلَّت عن حليفتها إسرائيل في هذا الجانب، وذلك لسببين رئيسين، هما:
1) لمصلحتها أولًا، حتى لا تتضرر مصالحها في باب المندب كما ساءت وتضررت في مضيق هرمز.
2) لأنها لا تريد كدولة عظمى أن تكون في طرف صراع مع ميليشيا شعبية فئوية.
ومن هنا، فإن المملكة العربية السعودية يتطلب أن تنظر للأمور بمنطقية، فلديها مهام أوسع على النطاق العالمي، وقد أضحت ضمن دول العشرين الكبار عالميًا، فاستراتيجياتها وتوجهاتها تتجه دوليًا، وقد قطعت شوطًا كبيرًا في هذا التوجه، وليس إقليميًا، الأمر الذي ينبغي لها أن تترفع عن أي صراع فئوي أو إقليمي محدود، وأن تبتعد عن المستنقع والوحل، وإن كان بعض المغرضين يرجون ذلك.
لقد قال عبدالملك المخلافي، وهو نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق لليمن في حكومة الشرعية، لبرنامج "خارج الصندوق" الذي تبثه قناة العربية، حيث أفصح الرجل بكل وضوح أنه لو توقفت المملكة، فإن اليمنيين لن يسمحوا لأنصار الله الحوثي بالسيطرة على مقدرات الدولة، الأمر الذي يوحي بأن الحل اليمني بيد اليمنيين وحدهم فقط.
أما بالنسبة لليمنيين، فعليهم قراءة الأمور بوضوح حروفها؛ حيث إن الأمر مشتت، فأنصار الله في صنعاء والحكومة الشرعية في العاصمة المؤقتة عدن… وعليه، فلا بُد من مواجهة الحقائق كما هي، وأن تكتب النقاط على الحروف، وأرى أنه لا بد من الجلوس معًا وجهًا لوجه مهما كان الخلاف، وكما يقال: الحكمة يمانية، فإن شاء الله أن تكون كذلك، والعبقرية مصدرها وادي عبقر في اليمن.
وعليه، فإنه إذا تم الجلوس والتفاهم والتوافق والانسجام، فإنه يتوجب إجراء انتخابات نزيهة ونظيفة، وربما بإشراف عربي ودولي، وأن تتحول جميع المليشيات والألوية إلى أحزاب سياسية، وكلٌّ يدعمه شعبيته من الداخل، وبعد ذلك تلغى هذه المليشيات والألوية وتتخلى عن أسلحتها، وتسلم جميع الأسلحة للحكومة المنتخبة بالإرادة الشعبية الصريحة.
لقد لاحظت عبر بعض قنوات التواصل الاجتماعي أن هناك من يؤيد دخول المملكة في تحالف مع إسرائيل، فأرجو أن لا تقع المملكة بمكانتها العظيمة في هذا الفخ… فلقد أضحت إسرائيل نمرًا من ورق، فهي لم تقدر على ضرب إيران إلا بالاشتراك مع أمريكا، كما أنها حاربت حماس، وهي أيضًا مليشيا ومحاصرة منذ 17 عامًا من جميع الاتجاهات، حاربتها لمدة أربع سنوات بكل ما أوتيت من قوة، ولم تنتصر عليها حتى الآن، على الرغم من كل ما دمرت وأفسدت، فهل تقدر على أنصار الله الحوثيين، وهم على بعد ألفين كيلومتر منها؟ فلدى المملكة خير من يقدر ويفهم ويقرر، والمملكة قادرة على حماية نفسها، وليست بحاجة لأي تدخل خارجي لحمايتها أو الدفاع عنها، علمًا بأن أي تدخل خارجي لن يكون لله في لله، وإنما بالأجر المدفوع، كما أن الحكمة الخليجية العامة المعتدلة في عدم الرد على هجمات إيران على جميع دول الخليج، وذلك حتى لا تكون هذه الدول وإسرائيل في جانب ضد بلد مسلم وجار، مهما بدر منه، فالغرباء يذهبون والجغرافيا لا تتغير، وهذه حكمة خالدة تدرس للأمم والشعوب. أعز الله المملكة وأدام سؤددها.
حفظ الله اليمن آمنًا مستقرًا سالمًا مسالمًا، وأعاد إليه لقبه (السعيد) المفقود.
