د.أحمد بن موسى البلوشي
نعيش اليوم في عالم أصبحت فيه الكلمة أسرع انتشارًا من أي وقت مضى؛ فتغريدة عابرة أو تعليق متسرع قد يشعلان جدلًا واسعًا، ولعل ما نشهده على منصات التواصل من تراشق لفظي يدعونا للتأمل في قيمة الكلمة، وحدود الاختلاف، وحكمة الصمت حين يصبح الحديث وقودًا لخلاف لا يخدم أحدًا، وفي خضم ذلك، نصادف في حياتنا الكثير ممن يعتقدون أن كثرة الحديث تمنحهم قيمة، وأن علو الصوت دليل على قوة الحجة، فيتخذون من الإساءة والتهجم أقصر طريق لإثبات وجودهم، لتراهم ينتقدون ويسخرون متجاوزين حدود الاختلاف إلى التجريح والممارسات غير الأخلاقية، وكأن الهدف لم يعد البحث عن الحقيقة، بل استدراج الآخرين إلى معارك جانبية لا طائل منها.
من المؤسف أن تتحول المساحات التي وُجدت للتواصل إلى ساحات للتجريح، وأن يعتقد البعض أن علو الصوت دليل على قوة الحجة، وأن الإساءة للآخرين طريق لإثبات الحضور، والأشد أسفًا أن تُحمَّل المجتمعات والشعوب مسؤوليّة كلمات أفراد، فتتحول آراء شخصية إلى أحكام عامة تطال أوطانًا تربطها أواصر الدين والمصير المشترك، وهنا يبرز سؤال مستحق: هل نحن مطالبون بالرد على كل إساءة والدخول في كل سجال، حتى وإن كان الثمن إضعاف روابط الأخوة؟
لقد علمتنا الحياة أن ليس كل من رفع صوته يستحق الرد، فبعض الأصوات لا تبحث عن إجابة بقدر ما تبحث عن صدى، وبعض الأقلام لا تكتب لتناقش فكرة، بل لتستفز الآخرين وتستدرجهم إلى معارك لا تنتهي، ومن الحكمة أن ندرك أن الرد على كل صوت يمنحه أهمية لا يستحقها، والانشغال بكل استفزاز يجعلنا شركاء في نشر ما نرفضه.
ولعل من أكبر الأخطاء اعتقادنا بأن الصمت ضعف، وأن التغافل عجز، وأن الكرامة لا تُصان إلا بالرد، والحقيقة أن الإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج لإثبات حضوره بالإساءة للآخرين؛ فالأوطان أكبر من منشورات عابرة، والعلاقات الأخوية أرسخ من أن نتركها رهينة لانفعالات طارئة.ليس من الوطنية أن نسيء لغيرنا دفاعًا عن وطننا، فحب الوطن قيمة تتجلى في رقي الخطاب والقدرة على الاختلاف بوعي واحترام.
كما يجدر بنا أن نفرّق بين النقد الصادق والإساءة المتعمدة؛ فالنقد يظل مشروعًا حين يستند للحجة ويحترم الإنسان، أما التجريح وتعميم الأحكام فلا يخدم حقيقة ولا يبني وعيًا، بل يوسع دائرة الخلاف، والأخطر من الإساءة هو الاندفاع الجماعي نحو الرد عليها، فتتحول كلمة غير مسؤولة إلى سجال تتسع رقعته بفعل إعادة النشر، وتُمنح الأصوات الفردية حجمًا أكبر من حقيقتها، ومع ذلك، فإن الصمت ليس قاعدة مطلقة والتغافل ليس فضيلة دائمًا؛ فهناك مواقف يصبح فيها التوضيح مسؤولية، ولا سيما عندما تتحول الإساءة إلى تشهير أو تضليل، لكن الرد حينها ينبغي أن يكون بقدر الموقف، مستندًا للحقائق، بعيدًا عن الانفعال.
إننا بحاجة لثقافة تدرك أن الاختلاف لا يلغي الاحترام، وأحيانًا يكون الامتناع عن تداول الإساءة موقفًا أخلاقيًا أشد أثرًا من الرد عليها، لأنه يسلب الاستفزاز غايته، وفي نهاية المطاف، العمر أقصر من أن نستهلكه في الرد على كل صوت، وطاقتنا أثمن من أن نبددها في معارك يصنعها الآخرون؛ فلنختلف إن كان للاختلاف ما يبرره، ولنرد حين يصبح الرد مسؤولية؛ ولكن لنبقِ للأخوة مكانتها، وللكلمة قيمتها، وللعقل حضوره.
