د. مرتضى بن جمعة الخائط
لا تكتمل قيمة الاستثمار بمجرد وصوله إلى المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، بل تتعاظم عندما يتحول إلى نشاط إنتاجي يخلق وظائف مستدامة، ويطوّر مهارات وطنية ويفتح فرصًا للمؤسسات العُمانية. فالمشروع الاستثماري يمكن أن يطلق منظومة من الوظائف والخدمات والصناعات المساندة. لذلك، لا تقتصر مسيرة الدقم على استقطاب الاستثمارات فحسب، بل تشمل تعظيم قيمتها محليًا عبر ربط الاستثمار بالتشغيل والتعليم والتدريب والمحتوى المحلي وقياس النتائج.
وتمثل الدقم فرصة استراتيجية لتنويع الاقتصاد العُماني وتطوير القطاعات الإنتاجية، فيما تهيئ الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة البيئة الاستثمارية وتُعزز جاذبية المناطق التابعة لها.
ولا يقتصر أثر المشروع الصناعي على الإنتاج والتصدير، بل يمتد إلى احتياجاته من الصيانة والنقل والخدمات الهندسية والتقنية والإمداد وما تتيحه من فرص محلية، ويُساعد وضوح احتياجات المشروعات المؤسسات العُمانية على الاستعداد لها، ويمكّن المؤسسات التعليمية والتدريبية من تطوير مهارات تتوافق معها.
ويمكن لهذا الترابط توسيع فرص العمل أمام أبناء منطقة الدقم والمناطق المحيطة بها، وفتح مجالات للمؤسسات العُمانية لتقديم الخدمات وتوفير مستلزمات الإنتاج، وتوجيه الشباب نحو تخصصات يحتاج إليها الاقتصاد المحلي.
وتتحدد قدرة المنطقة الاقتصادية على الاستفادة من استثماراتها بقدرتها على توفير المهارات اللازمة لتشغيل المشروعات وتطويرها. فالبنية الأساسية ورأس المال يهيئان النمو، فيما تسهم الكفاءات وجودة الأداء في استدامته ورفع الإنتاجية.
ومن المهم أن تكون تنمية الموارد البشرية جزءًا من التخطيط الاقتصادي، لا مرحلة لاحقة لقيام المشروعات. فمعرفة المهن والمهارات المطلوبة ومواءمة التعليم والتدريب معها تساعد على تقليص الفجوة بين مخرجات المؤسسات التعليمية واحتياجات سوق العمل.
ويمثل إنشاء كلية الدقم الجامعية وتجهيزها فرصة واعدة يمكن البناء عليها عند افتتاحها، عبر ربط برامجها باحتياجات المشروعات وتطوير التدريب الميداني بالشراكة مع المستثمرين.
ولا يكفي توفير التدريب؛ بل ينبغي التأكد من أن المهارات المكتسبة تلبي متطلبات الوظائف وتنعكس على الإنتاجية والسلامة وكفاءة التشغيل، وقياس نتائج المتدرب ومدى استفادة المنشأة منها.
ويقدم برنامج «اكتفاء» الذي تطبقه أرامكو السعودية مثالًا على ربط المشتريات بتطوير الموردين المحليين وتعزيز القدرات الصناعية والمهارات الوطنية. ويمكن الاستفادة من هذا المبدأ في الدقم بما يتناسب مع السوق العُمانية وإمكانات المؤسسات المحلية، عبر التعامل مع احتياجات المشروعات بوصفها فرصًا لبناء قدرات اقتصادية، لا مجرد متطلبات تشغيلية.
ويبدأ ذلك بحصر احتياجات المستثمرين من السلع والخدمات، وإتاحة المعلومات للمؤسسات العُمانية، ومساعدتها على استيفاء متطلبات الجودة والسلامة والقدرة الإنتاجية. كما يمكن للقاءات المباشرة بين المستثمرين والموردين والتأهيل الفني والإداري والمالي تعزيز التعاون واستعداد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للمنافسة.
وبذلك يمتد أثر الاستثمار إلى فرص عمل لدى الموردين ومقدمي الخدمات، ويعزز قدرة المؤسسات العُمانية على المنافسة.
وهناك جهود مبذولة في مجالات التعمين والتدريب وتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز المحتوى المحلي، والفرصة هنا هي تكاملها وربطها باحتياجات مشروعات الدقم. ويمكن تطوير آلية تنسيقية تستفيد من الأطر القائمة وتجمع الهيئة والمستثمرين والكلية والجهات المعنية بالتوظيف والتدريب والموردين المحليين، لتحديث احتياجات الوظائف والمهارات وتحديد فرص التوريد. ولا يتطلب ذلك بالضرورة إنشاء جهة جديدة؛ إذ يمكن البدء بتنسيق عملي ومسؤوليات واضحة، واختبار الآلية في قطاعات مثل الخدمات اللوجستية والصيانة والخدمات البحرية والصناعات التحويلية، ثم تطويرها وفق النتائج.
ويساعد التطبيق المرحلي على تقييم استعداد المؤسسات المحلية وتحديد المهارات التي يصعب توفيرها ومُعالجة الفجوات قبل توسيع التجربة. وهكذا تتحول احتياجات المشروعات إلى فرص للتوظيف والتوريد والتأهيل، وتزداد قدرة المؤسسات العُمانية على دخول سلاسل الإمداد.
وينبغي أن تتجاوز مؤشرات النجاح عدد المشروعات وقيمة الاستثمارات، لتشمل الوظائف المحققة واستمراريتها، ونسبة العُمانيين في الوظائف الفنية والإشرافية، وعدد المتدربين الذين انتقلوا إلى العمل، وقيمة العقود التي حصلت عليها المؤسسات العُمانية. كما تشمل جودة المنتجات والخدمات المحلية، ونسبة المشتريات المحلية من الإنفاق القابل للتوطين، ومدى استفادة المنشآت من التدريب.
وتفيد هذه المؤشرات حين تُستخدم لتوجيه القرار وتحسين الأداء. كما يُعزز نشرها دوريًا، مع توضيح مصادر البيانات والتمييز بين المتوقع والمتحقق، الثقة ومراجعة الأولويات.
وتعظيم القيمة المحلية في الدقم مسؤولية مشتركة بين الهيئة والمستثمرين والمؤسسات التعليمية والتدريبية والقطاع الخاص. وتتمثل الفرصة في البناء على الجهود القائمة، وتعزيز الصلة بين المشروعات والمهارات الوطنية والمؤسسات العُمانية، وجعل الجودة أساسًا في التعليم والتدريب والتشغيل والتوريد.
إنَّ نجاح الدقم لا يُقاس فقط بما تستقطبه من استثمارات، بل بما تحوله إلى وظائف نوعية، ومهارات متجددة، ومؤسسات عُمانية أكثر قدرة على المنافسة. وعندما ترتبط المشروعات بالتوريد المحلي وتنمية الكفاءات وتطوير الخدمات والصناعات المساندة، تصبح الدقم محركًا للتنمية الاقتصادية، وتتعزز القيمة المضافة واستدامة التنمية.
