سرٌّ لا تصنعه المرايا

 

 

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

في زمن أصبحت فيه معايير الجمال ترتبط كثيرًا بتناسق الملامح، وأناقة الابتسامة، ونضارة البشرة، وما تقدمه مستحضرات التجميل وعمليات التجميل من تغييرات في الشكل، تبقى حقيقة أعمق يصعب على أي مظهر خارجي أن يخفيها طويلًا جمال الروح، هناك ملامح لا ترسمها المساحيق، ولا تصنعها العيادات، ولا تمنحها المرآة، وإنما تولد من أعماق الإنسان وتنعكس تدريجيًا على وجهه ونظرته وابتسامته وطريقة تعامله مع من حوله.

إنها ملامح الروح ذلك الجمال الهادئ الذي يجعل بعض الوجوه مألوفة ومحببة إلى القلب منذ اللحظة الأولى حتى عندما لا تنطبق عليها مقاييس الجمال المتعارف عليها، فكم مرة التقيت شخصًا للمرة الأولى فشعرت بالراحة تجاهه من دون أن تعرف السبب؟ ربما لم تكن ملامحه مثالية، وربما كان وجهه يحمل آثار التعب أو سنوات العمر، ومع ذلك ترك في نفسك إحساسًا جميلًا يصعب تفسيره، وفي المقابل قد ترى وجهًا شديد الجمال من الناحية الشكلية ثم تشعر بعد دقائق أن شيئًا ما ينقصه، وأن ذلك البريق الذي لفت انتباهك في البداية بدأ يخفت مع ظهور طريقة الحديث والتعامل، فهنا تظهر قيمة المقولة التي تقول "النفوس الطيبة لها وجوه طيبة، حتى وإن لم تكن ملامحها جميلة"، فالوجه في كثير من الأحيان مرآة صامتة لما يسكن أعماق الإنسان، والمشاعر التي نحملها في داخلنا تجد طريقها مع الوقت إلى نظراتنا وابتساماتنا وتعبيرات وجوهنا.

والإنسان الذي يعيش في حالة دائمة من الغضب والتوتر والحقد والغيرة يحمل هذه المشاعر معه أينما ذهب وقد تظهر آثارها على ملامحه حتى عندما لا يتحدث، تكرار الانفعال يجعل تعبيرات الوجه أكثر قسوة، ويمنح النظرات شيئًا من الحدة بينما تترك مشاعر الرضا والامتنان والرحمة واللطف أثرًا مختلفًا تمامًا، فالشخص الذي اعتاد مُساعدة الآخرين والتعامل معهم برفق، والتماس الأعذار لهم، غالبًا ما تبدو على وجهه راحة يصعب تقليدها، وتصبح عيناه أكثر دفئًا، وابتسامته أكثر صدقًا، وحضوره أكثر طمأنينة، ولعل أجمل مثال على ذلك ما نراه في وجوه الأمهات والجدات، خاصة أولئك اللواتي حملن على أكتافهن سنوات طويلة من المسؤوليات والتعب، قد تكون وجوههن مليئة بخطوط العمر وقد تظهر عليها آثار السهر والعمل ومشقة الحياة، ومع ذلك تظل فيها مساحة واسعة من الدفء والحنان، فعندما تنظر إلى تلك الوجوه، قد تشعر أنك أمام ذاكرة كاملة من الحب والعطاء والصبر، فذلك الشعور لا يأتي من نعومة البشرة أو غياب التجاعيد، وإنما من حياة امتلأت بالمشاعر الصادقة والمواقف الإنسانية.

والطيبة هنا لا تعني الضعف أو السذاجة أو قبول الأذى من الآخرين، والإنسان الطيب قد يكون قوي الشخصية، واضح الحدود، وقادرًا على الدفاع عن نفسه، لكنه يختار أن يحافظ على نقاء قلبه قدر الإمكان، وقد يتعرض للخيانة أو الظلم أو الجحود، وقد يمر بتجارب تجعله أكثر حذرًا، ومع ذلك يحرص على ألا يتحول ما تعرض له إلى قسوة تسكن داخله، وهذه القدرة على تجاوز الألم من دون فقدان الرحمة تمنح صاحبها نوعًا خاصًا من الجمال؛ جمالًا يتجاوز تفاصيل الوجه ويصل مباشرة إلى من يراه، ولهذا السبب احتفى الأدب والفن عبر العصور بجمال الروح وتحدث الشعراء والكتاب عن نور الوجه ودفء النظرة وصدق الابتسامة، فالكلمات قد تصف الملامح، لكنها تعجز أحيانًا عن وصف ذلك الشعور الذي يمنحه شخص ما لمن حوله بمجرد حضوره، وفي الأعمال السينمائية والدرامية نرى أمثلة كثيرة لأشخاص لم يكونوا أصحاب الملامح الأكثر لفتًا للنظر، ومع ذلك استطاعوا أن يأسروا قلوب الجمهور، كانت ابتسامتهم الصادقة ونظراتهم الحنونة وطريقة تعبيرهم عن المشاعر كفيلة بمنحهم حضورًا يفوق تأثير الجمال الشكلي وحده.

ومن هنا يمكن أن نسأل إذا كانت ملامح الإنسان تتأثر بما يحمله في داخله، فكيف يمكن أن نجعل وجوهنا أكثر إشراقًا؟ فالبداية تكون من الداخل فعندما يعتاد الإنسان الامتنان لما يملك، ويتعلم الرضا، ويمنح الآخرين قدرًا من التسامح، ويساعد من يحتاج إليه، ويتجنب تغذية مشاعر الحقد والغيرة، فإنه يمنح نفسه حياة أكثر هدوءً، ومع مرور الوقت يظهر هذا الهدوء في ملامحه من حيث لا يشعر فالعناية بالروح قد تكون واحدة من أجمل صور العناية بالنفس، فحتى الابتسامة الصادقة لها أثر كبير في نظرة الآخرين إلينا، عندما تأتي الابتسامة من شعور حقيقي بالود أو الفرح، فإنها تصل إلى الطرف الآخر بطريقة مختلفة، لا تحتاج إلى وجه مثالي حتى تكون مؤثرة، ولا تحتاج إلى ملامح مصقولة حتى تمنح صاحبها جاذبية خاصة، الصدق وحده قادر على إضافة شيء لا تمنحه أدوات التجميل، لأن الإنسان يشعر بالفارق بين التعبير الحقيقي والتعبير المصطنع.

ويمكن النظر إلى الوجه باعتباره قصة تختصر جزءً من حياة صاحبه، الجينات ترسم الملامح الأولى، والسنوات تضيف إليها تفاصيلها، لكن التجارب والمشاعر والعادات الإنسانية تشارك أيضًا في تشكيل التعبير الذي يستقر على الوجه، فمن يزرع الحب والرحمة والطيبة في داخله ستظهر آثار هذه المشاعر شيئًا فشيئًا في عينيه وابتسامته وحضوره، ومن يملأ قلبه بالامتنان والرضا، غالبًا ما يمنح من حوله إحساسًا بالراحة حتى من دون كلمات كثيرة، والجمال الحقيقي أوسع من أن يُختصر في شكل أو لون أو تناسق ملامح، قد تتغير الوجوه مع مرور السنوات، وقد تتبدل معالمها بفعل العمر والتجارب، بينما يبقى أثر الروح حاضرًا في الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى الآخرين، وفي أسلوب حديثه، وفي قدرته على منح الأمان والاحترام والاهتمام.

ربما لهذا السبب ننجذب تلقائيًا إلى أصحاب الوجوه الطيبة؛ لأننا نلمح في ملامحهم شيئًا نحتاج إليه جميعًا، شيئًا يشبه الطمأنينة والنقاء والصدق، وهي قيم يصبح حضورها أكثر أهمية في عالم سريع ومعقد تتغير فيه الأشياء من حولنا باستمرار.

الأكثر قراءة

z