فايزة سويلم الكلبانية
بين زخات الرذاذ البريطاني الرقيق، وعلى وقع المراسم الملكية المهيبة التي مزجت عراقة التاريخ برمزية الحاضر، استقبل جلالة الملك تشارلز الثالث حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظم في قلعة ويندسور، في زيارة دولة تجاوزت مشهد الاستقبال الفخم إلى رسائل سياسية واقتصادية واستراتيجية ترسم ملامح مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين؛ ففي هذا المكان العريق؛ حيث تستحضر القلاع التاريخية والعربات الملكية هيبة التقاليد البريطانية، استعاد البلدان حكاية صداقة امتدت عبر قرون، ليفتحا معًا صفحة جديدة عنوانها الاستثمار والتكنولوجيا والتجارة، وتحويل العلاقات التاريخية إلى فرص اقتصادية ملموسة تخدم تطلعات البلدين.
كان المشهد مهيبًا؛ حرس الشرف، والتحية المدفعية، وعزف السلام السلطاني العُماني، قبل أن تنطلق العربات الملكية عبر شوارع ويندسور نحو القلعة التاريخية، وسط المطر الذي أضفى على المشهد طابعًا جماليًا آسرًا. وإلى جانب جلالة الملك تشارلز الثالث، حضرت جلالة الملكة كاميلا، والأمير ويليام، والأميرة كاثرين أميرة ويلز، في استقبال عكس مكانة الزيارة ورمزيتها.
وفي قاعة سانت جورج بقلعة ويندسور، انتقلت الزيارة من لغة المراسم إلى لغة التاريخ والثقافة؛ حيث استحضر جلالة الملك تشارلز الثالث الشعر العُماني والحديث النبوي الشريف في وصف أخلاق أهل عُمان، فيما استعاد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم معاهدة الصداقة لعام 1800، التي عبّرت عن دوام الصداقة ما دامت الشمس والقمر في دورانهما. وبين الكلمات، حضرت الدعابة الراقية؛ فأشار جلالة الملك تشارلز الثالث إلى السبق البحري للعُمانيين في التجارة عبر المحيط الهندي، بينما استعاد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ذكرياته مع الالتزام البريطاني بالمواعيد. كانت الرسالة واضحة: تاريخ مشترك يمنح العلاقة عمقها، لكنه لا يغني عن تجديدها بما يواكب تحديات العصر.
ومن ويندسور، انتقل ثقل الزيارة إلى داونينغ ستريت؛ حيث عقد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم مباحثات مع رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، تناولت تعزيز التجارة والاستثمار والتعاون الدفاعي والأمني، وسبل توسيع المنافع الاقتصادية المتبادلة. ولم تكن هذه المباحثات مجرد تأكيد للرغبة في التعاون؛ فقد ارتبطت بحزمة من الاتفاقيات والمبادرات التي تضع الاستثمار والتكنولوجيا في قلب الشراكة العُمانية البريطانية.
وتبرز المكاسب الاقتصادية في الإعلان عن استثمارات جديدة، إلى جانب اتفاق لتعزيز تدفقات الاستثمار في الاتجاهين، استكمالًا لشراكة الاستثمار السيادي القائمة بين البلدين. ويستهدف التعاون قطاعات حيوية تشمل الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، والمعادن الاستراتيجية، والفضاء، والرعاية الصحية، والخدمات المالية. وهي مجالات تتقاطع مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، ولا سيما تنويع مصادر الدخل، واستقطاب الاستثمارات النوعية، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
وفي صدارة المشهد الاقتصادي، يبرز مشروع إنشاء مركز واسع النطاق لبيانات الذكاء الاصطناعي في صلالة، بالتعاون مع شركة «يامنة» البريطانية التأسيس. ومن المتوقع أن تتجاوز استثمارات المرحلة الأولى من المشروع مليار جنيه إسترليني؛ بما يجعله من أبرز المشروعات الرقمية المطروحة ضمن الشراكة. ولا تقتصر أهميته على حجم الاستثمار؛ إذ يمكن للبنية الأساسية المتقدمة للبيانات أن تعزز مكانة سلطنة عُمان في الاقتصاد الرقمي، وتفتح آفاقًا لاستقطاب استثمارات مرتبطة بالحوسبة والذكاء الاصطناعي والخدمات التقنية. كما يُتوقع أن يسهم المشروع في توفير أكثر من مئة وظيفة عالية المهارة في المملكة المتحدة عبر تصدير الخبرات البريطانية، وفق الإعلان الحكومي البريطاني.
وإلى جانب ذلك، أعلنت مؤسسة تمويل الصادرات البريطانية رفع قدرتها التمويلية للصادرات إلى سلطنة عُمان إلى ما يصل إلى 7 مليارات جنيه إسترليني، في خطوة يُنتظر أن توسّع قدرة الشركات البريطانية على تمويل مشروعاتها وصفقاتها في السوق العُمانية، وتدعم فرص التجارة والاستثمار.
وامتدت الاتفاقيات إلى التعاون الفضائي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة في التعليم، وتعزيز الأمن البحري وتبادل المعلومات، إلى جانب استئناف برنامج تشيفنينغ للمنح الدراسية في عُمان، مع فتح باب التقديم اعتبارًا من أغسطس 2027. كما تناولت المباحثات أهمية ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، بما يحمله ذلك من تأثير مباشر في سلاسل الإمداد والتجارة العالمية.
ما سيبقى من الزيارة لا يقتصر على المطر والعربات الملكية أو الكلمات المتبادلة؛ بل يمتد إلى سؤال اقتصادي أكثر أهمية: كيف تتحول هذه الاتفاقيات إلى مشروعات منفذة، وفرص عمل، ونقل للمعرفة، وقيمة مضافة للاقتصاد العُماني؟ هنا تحديدًا تكمن أهمية الزيارة؛ فالصداقة التي صمدت أمام اختبار الزمن تدخل مرحلة تُقاس فيها نتائجها بما تحققه من استثمارات وفرص وشراكات مستدامة للأجيال القادمة.
