في ظلال الجليد

 

نبيلة السهلي

@NabilahAlsahli

ثمَّة صمت ثقيل يتسلل إلى الأعماق، كأن ثلجًا خفيًا يهطل في منتصف الزحام؛ باردٌ، صامتٌ، ويتمدد بثبات ليغطي ما تبقى من دفء الإنسانية. لم تعد الأرواح كما كانت؛ لقد انطفأ فيها شحن الفطرة، وحلّت محله برودة قارسة تجعل المرء يمرّ على المعنى فلا يلمسه، وعلى الفضيلة فلا يراها، وكأننا نعيش غيبوبة شعورية جماعية تتزين بمسوح المدنيّة والتطور.

في هذا العصر الهجين، انقلبت القواميس والمعاجم بشكل مرعب؛ غدت المبادئ السامية تُقاد كأسرى مكبلة، ويُشار إليها كقيودٍ بالية تعيق حركة الفرد الحديث، بينما ارتدت الجرأة الفارغة والهمجية رداء "الحرية"، ولبست السطحية قناع "الوعي النير". صرنا نرى الأخطاء والمشاهد الشائنة تُغسل بمبررات نفسية شاحبة، والعقوق يُغلف بأعذار منطقية مائعة. حتى الجميل وحفظ العهد؛ ذلك الوادي الذي كان يومًا مظللًا بالنبل والوفاء، أضحى أثرًا مهجورًا يُنعت بالغباء والتخلف، في حين صعدت الانتهازية والاستغلال إلى منصة البطولة تحت مسميات براقة مثل "الفطنة"، و"الذكاء الاجتماعي"، و"اقتناص الفرص".

هذا الانحراف الفكري والوجداني لم يمر دون ثمن؛ بل صادر من الأرواح أثمن ما تملك: البوصلة والمعنى.

حينما تُمحى الحدود الفاصلة بين النبل والوقاحة، وحين يصبح الاستغلال شجاعة وحفظ المعروف ضعفا، يغرق الإنسان في ظلام التيه. من هنا ينبت هذا البرود العارم، ومن هنا ينثقب خزان السعادة؛ فالبهجة لا تنبت في الأراضي المتجلدة، ولا تسكن القلوب التي اتخذت من المنفعة المجردة إلهًا لها. أصبح الناس يركضون بلا مقصد، كأشباح يدورون في حلبة مفرغة من الأهداف الحقيقية؛ يملكون أدوات التواصل لكنهم فقدوا الاتصال، ويحوزون كل شيء لكنهم لا يشعرون بأي شيء.

إنَّها ليست أزمة أخلاقية فحسب، بل انكسار في روح الوجود وظمأ للأرض البكر التي كانت تجمعنا. لقد أطفأنا القناديل القديمة التي كانت تهدي السائرين في العتمة، واستبدلناها ببريقٍ زائف وشكليات فارغة لا تمنح الدفء ولا تدل على طريق.

وما لم نتوقف لنذيب هذا الجليد الداخلي، ونعيد تقديس النبل والوفاء كمعنى يتجاوز المادة، سنظل نسير في جنازة صامتة لإنسانيتنا، دون أن يدري أحد متى وقعت الوفاة وكيف ضاع الأثر.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z