بعد 90 عامًا على انتصار المسيرة الطويلة.. كيف يُنير التاريخ طريق المستقبل؟

 

 

 

ليانغ سوو لي **

في عام 2026، تحل الذكرى التسعون لانتصار المسيرة الطويلة التي خاضها الجيش الأحمر الصيني. وربما لا تمثل «المسيرة الطويلة» لدى الأصدقاء العرب أكثر من محطة في تاريخ الصين الحديث، غير أن هذه المسيرة الشاقة، التي جرت أحداثها في ثلاثينيات القرن الماضي، تركت أثرا عميقا في مسار تطور الصين المعاصرة. ومع مرور تسعين عاما، رحل تدريجيا من عاصروا تلك الأحداث، فيما ترسخت تجربة حافلة بالحرب والجوع والتضحيات في الذاكرة الوطنية الصينية، وأصبحت جزءا من الكيفية التي تفهم بها الصين مسارها التاريخي.

إن استعادة هذه التجربة اليوم لا تهدف إلى سرد وقائع الحرب من جديد، بقدر ما تدعونا إلى طرح سؤال أعمق: كيف استطاع أناس وجدوا أنفسهم في مواجهة ظروف تكاد تسد أمامهم كل منفذ، أن يعثروا على الطريق من جديد حين بدا الأمل بعيد المنال؟ وما الدروس التي تحملها هذه التجربة العملية لمن يواجهون التحديات في عالم اليوم؟

لم تكن المسيرة الطويلة رحلة اختيرت طوعا. ففي عام 1934، اضطر نحو 86 ألفا من جنود الجيش الأحمر إلى الانطلاق من رويجين في مقاطعة جيانغشي جنوب شرقي الصين، في انسحاب استراتيجي هدفه كسر الحصار الذي فرضته قوات الكومينتانغ، التي بلغ قوامها مئات الآلاف، بهدف الحفاظ على القوات الثورية. لم يكن أحد يعرف آنذاك إلى أين ستنتهي الرحلة، ولا كم ستستغرق من الوقت.

وبعد بضعة أشهر فقط من انطلاقها، انخفض عدد أفراد الجيش الأحمر إلى حوالي 30 ألف جندي، عقب معركة شيانغجيانغ الدامية الواقعة في وسطى الصين. وفي خضم هذا المنعطف الحرج، بدأت القيادة تتخلص تدريجيا من أخطاء التوجيه العسكري الناجمة عن الابتعاد عن الواقع الميداني. وفي يناير 1935، عقد مؤتمر تسونيي، الذي مثّل نقطة تحول مهمة، وأعاد توجيه القيادة العسكرية نحو ما تقتضيه حقائق الميدان.

ومنذ ذلك الحين، لم يعد الجيش الأحمر متمسكا بخطط جامدة، بل تحرك بمرونة ومناورة عبر المناطق الجبلية الوعرة في مقاطعتي قويتشو ويوننان، في جنوب غربي الصين. ومن خلال مناورات عسكرية بارعة، من بينها عبور نهر تشيشوي أربع مرات والنجاح في عبور نهر جينشا بفضل حسن التخطيط والمباغتة، تمكن من الإفلات من مطاردة القوات المعادية والانتقال من موقع الدفاع السلبي إلى المبادرة.

وبعد مسيرة شاقة امتدت على مدى عامين، قطعت خلالها قوات الجيش الأحمر أكثر من 12 ألف كيلومتر، واجتازت الجبال المغطاة بالثلوج والمناطق العشبية النائية، التقت القوات الرئيسية الثلاث للجيش الأحمر في أكتوبر 1936 في مقاطعة قانسو والمناطق المجاورة بشمال غربي الصين، إيذانا بانتصار المسيرة الطويلة.

قد يظن البعض أن انتصار المسيرة الطويلة كان محتوما منذ البداية، لكن التاريخ يثبت أن الطريق إلى مستقبل أفضل لا يكون معبّدا سلفا، بل يشق خطوة بعد أخرى، عبر مواجهة الواقع وتصحيح الأخطاء.

وغالبا ما تروى المسيرة الطويلة بوصفها ملحمة صنعتها قوة الإرادة وحدها، غير أن أحد أعمق دروسها يكمن في التوازن بين التمسك بالهدف والمرونة في تغيير الوسائل.

آمن أفراد هذه القوة، منذ اليوم الأول لمسيرتهم، بمثل أعلى يتمثل في تحقيق المساواة والتحرر لعامة الناس، ولم تدفعهم التضحيات إلى التخلي عن غاياتهم البعيدة المدى. لكنهم، في الوقت نفسه، لم يحوّلوا هذا المثل الأعلى إلى عقيدة جامدة، ولم يتشبثوا بمسار مرسوم سلفا حين لم يعد ينسجم مع الواقع. ومع تقلبات المعارك وتغير الظروف الطبيعية، تخلوا مرارا عن خططهم السابقة، وأعادوا رسم تحركاتهم وفقا لتحركات العدو وطبيعة التضاريس وإمكانات الإمداد.

لقد مكّنهم هذا الوعي، القائم على التمسك بالغاية الأصلية من دون الارتهان للتجارب السابقة، من اتخاذ الخيارات الصائبة في اللحظات المصيرية. وهذا درس تظل قيمته قائمة في كل عصر: فالسعي إلى التقدم على المدى البعيد لا يبرر التخلي عن الأهداف الجوهرية المتمثلة في العدالة والتنمية عند مواجهة الصعوبات، كما أن صحة الهدف لا تبرر تجاهل الظروف الموضوعية. فالثبات الحقيقي لا يعني الجمود، بل يتطلب دائما القدرة على تعديل الوسائل في ضوء الواقع.

لم يكن انتصار المسيرة الطويلة معجزة صنعها عدد محدود من القادة أو الشخصيات الاستثنائية بمعزل عن الآخرين. فقد استندت هذه القوة إلى انضباط تنظيمي صارم، حافظت بفضله على تماسكها وانضباط تحركاتها رغم الجوع والبرد، ولم تتفكك صفوفها حتى في أحلك الظروف. والأهم أنها ظلت إلى جانب عامة الناس في المناطق التي مرت بها. فلم تستولِ على ممتلكات عامة الناس، بل قدمت ما توافر لديها من أدوية لمساعدة القرويين الذين يفتقرون إلى الرعاية الطبية، واتبعت سياسات عادلة أكسبتها ثقتهم. وفي المقابل، بادر أعداد كبيرة من الأهالي إلى إرشاد القوات في طريقها، وتأمين الغذاء لها، ونقل المعلومات.

وكان هذا الارتباط الوثيق بعامة الناس مصدر قوة مكّن هذه القوة، التي بدت محدودة، من الحصول على دعم راسخ في أحلك اللحظات. فالقوة الحقيقية لأي جماعة تسعى إلى المضي بعيدا لا تنبع من التفوق العسكري وحده، بل من تماسكها الداخلي أيضا، ومن قدرتها على وضع الاحتياجات الفعلية لعامة الناس في صلب أولوياتها.

يشهد العالم اليوم قدرا كبيرا من عدم اليقين، وتواجه دول عديدة تحدياتها الخاصة في مسارات طويلة وشاقة. ولا تقدم تجربة ما قبل تسعين عاما إجابات جاهزة عن أسئلة الحاضر، لكنها تتيح ثلاثة دروس تتجاوز الحدود الثقافية: أولها الشجاعة في مواجهة الواقع، من دون التهرب من الصعوبات أو إحلال الرغبات الذاتية محل الحقائق الموضوعية؛ وثانيها الحكمة في التكيف مع المتغيرات، عبر التمسك بالأهداف البعيدة المدى وتعديل المسارات وفقا لتطور الظروف، بعيدا عن الجمود العقائدي؛ وثالثها القدرة على بناء التوافق، من خلال ربط مسار التنمية بتطلعات عامة الناس وكسب دعم اجتماعي واسع. وهنا تكمن قيمة روح المسيرة الطويلة التي تتجاوز الحدود الوطنية والثقافية.

بعد 90 عامًا، غدت مسيرة ذلك الجيل جزءا من التاريخ، لكن دلالاتها لم تفقد قيمتها بمرور الزمن. وإعادة قراءة هذه التجربة اليوم لا تعني مساواة ما تشهده الصين المعاصرة من تنمية بتلك الرحلة الشاقة، بل تعني استخلاص الدروس من تجربة أناس عاديين شقوا طريقهم للخروج من أحلك الظروف، وفهم كيف يمكن لمجتمع أن يحافظ على وضوح الرؤية، ويصحح مساره، ويحشد قواه في أشد اللحظات صعوبة

لا يستطيع التاريخ أن يتخذ كل قرار نيابة عن الناس اليوم، لكنه يعلّم كل من يستكشف طريقه أن النصر الحقيقي لا يكمن في اختيار الطريق الأمثل منذ البداية، بل في الحفاظ دائما على وعي واضح بالواقع، والتحلي دائما بالشجاعة اللازمة لتعديل المسار، والوقوف دائما إلى جانب أوسع قطاعات عامة الناس.

** إعلامية صينية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z