أزمة الحريديم تضغط على نتنياهو.. الجيش الإسرائيلي يواجه نقصا حادا في الجنود

القدس المحتلة - الوكالات

كشفت بيانات إسرائيلية ارتفاع عدد المصنفين متخلفين عن الخدمة العسكرية في إسرائيل إلى نحو 110 آلاف شخص، يشكل اليهود الحريديم الغالبية العظمى منهم، في ظل أزمة متفاقمة تواجه المؤسسة العسكرية بسبب نقص القوى البشرية، وتعثر تطبيق قوانين التجنيد، وتصاعد الخلافات السياسية بشأن إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة.

وبحسب تقرير نشرته شبكة الجزيرة في 21 أكتوبر 2026، ارتفع عدد المتخلفين عن التجنيد من نحو 75 ألفا مطلع العام الجاري إلى 110 آلاف، بزيادة قدرها 35 ألف شخص، أي نحو 47% خلال أقل من عشرة أشهر. وتشير تقديرات الجيش الإسرائيلي إلى أن الحريديم يشكلون نحو 88 ألفا من الإجمالي.

وتشمل هذه الأرقام أشخاصا لم يستجيبوا لإجراءات الاستدعاء والتجنيد، ولا تقتصر على الجنود الذين التحقوا بالخدمة ثم فروا منها، ما يعكس اتساع نطاق الأزمة في وقت تتزايد فيه احتياجات الجيش إلى الجنود، خصوصا في الوحدات القتالية والإسناد.

تعثر إنفاذ القانون

وتتزامن الزيادة في أعداد المتخلفين عن التجنيد مع انتقادات بشأن محدودية الإجراءات المتخذة لإلزام المطلوبين بالخدمة، رغم القرارات القضائية التي أنهت الأساس القانوني للإعفاء الجماعي لطلاب المعاهد الدينية.

ووفقا للتقرير، نفذت الشرطة العسكرية الإسرائيلية خلال سبتمبر الماضي 15 محاولة اعتقال استباقية، أسفرت عن توقيف ثمانية أشخاص من المتخلفين عن التجنيد والفارين من الخدمة، من قاعدة ضمت نحو 80 ألف مطلوب آنذاك، بحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية.

كما تعثرت خطط لتنفيذ حملة اعتقالات أوسع، بعد خلافات بشأن المسؤوليات المتعلقة بتنفيذها، في وقت تشير فيه المعطيات إلى تفاوت واضح بين أعداد الحريديم المطلوبين للخدمة ونسب تمثيلهم في عمليات التوقيف والملاحقة القضائية.

وكانت المحكمة العليا الإسرائيلية قد أنهت في يونيو 2024 الأساس القانوني للإعفاء الجماعي من التجنيد، قبل أن تدفع باتجاه اتخاذ إجراءات إضافية لتطبيق القانون، من بينها فرض عقوبات تمس بعض الامتيازات الاقتصادية المرتبطة بطلاب المعاهد الدينية.

نقص الجنود يضغط على المؤسسة العسكرية

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الخلافات الدينية والسياسية، بل تمتد إلى قدرة الجيش الإسرائيلي على مواصلة عملياته في ظل اتساع المهام العسكرية وتكرار استدعاء قوات الاحتياط.

وحذر رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، خلال اجتماع للمجلس الوزاري الأمني المصغر في مارس 2026، من تداعيات أزمة القوى البشرية، مشيرا إلى أن استمرار النقص وتأخر التشريعات المنظمة للتجنيد والخدمة النظامية والاحتياط قد يقود إلى تداعيات خطيرة على المؤسسة العسكرية.

ووفق دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في ديسمبر 2025، قدر الباحث رام أميناح النقص بنحو 12 ألف جندي في كل فوج تجنيد، مع تركز الاحتياجات في المقاتلين وعناصر الإسناد.

ورغم ارتفاع أعداد الحريديم الذين التحقوا بالخدمة العسكرية من 2811 إلى 4298 خلال سنة التجنيد 2025، وفقا لبيانات نقلتها القناة الإسرائيلية الثانية عشرة في أغسطس 2026، فإن هذه الأعداد لا تزال دون الاحتياجات المعلنة للجيش.

كما أظهرت دراسة للمعهد نفسه أن الاستدعاءات المتكررة حولت قوات الاحتياط عمليا إلى منظومة خدمة شبه دائمة، ما يزيد الضغط على الأفراد وأسرهم وأصحاب الأعمال، ويثير تساؤلات بشأن استدامة الاعتماد على الاحتياط في ظل استمرار العمليات العسكرية.

تداعيات اقتصادية متزايدة

وتلقي أزمة التجنيد بظلالها على الاقتصاد الإسرائيلي، في ظل ارتفاع تكاليف تشغيل القوات العسكرية وتعويضات جنود الاحتياط، إلى جانب تأثير غياب العاملين عن وظائفهم بسبب الاستدعاءات المتكررة.

وحذر تقرير نشرته صحيفة «غلوبس» الإسرائيلية في يوليو 2026 من أن استمرار الاتجاهات الديمغرافية والاقتصادية المرتبطة بالمجتمع الحريدي قد يفرض ضغوطا إضافية على المالية العامة، تصل، وفق أحد السيناريوهات المطروحة، إلى الحاجة لزيادة الضرائب بنسبة 16% خلال 30 عاما للحفاظ على مستوى الخدمات العامة.

ويرتبط هذا السيناريو بعوامل متعددة، تشمل معدلات المشاركة في سوق العمل والتغيرات الديمغرافية، ولا يمثل تقديرا للتكلفة المباشرة للإعفاء من الخدمة العسكرية وحده.

وفي مؤشر على اتساع الاعتراضات داخل المجتمع الإسرائيلي، أظهر استطلاع نشره معهد دراسات الأمن القومي في يوليو 2025 أن 71% من اليهود المشاركين توقعوا تراجع الدافعية للخدمة القتالية نتيجة إعفاء معظم الحريديم، فيما أيد 89% تغيير نظام التجنيد القائم.

نتنياهو يتمسك بتشريع إعفاء الحريديم

ودخل ملف التجنيد صلب المنافسة السياسية مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر الجاري، بعدما تعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمواصلة العمل على تشريع ينظم إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية خلال ولايته المقبلة.

ونقل التقرير عن نتنياهو قوله، في مقابلة مع إذاعة «كول براما» الحريدية، إن اعتقال طلاب المعاهد الدينية أمر غير مقبول، مشيرا إلى أن ائتلافه السابق اقترب من تمرير قانون ينظم وضعهم، قبل أن يفشل بفارق صوت واحد.

لكن نتنياهو تجنب الالتزام بإقرار القانون قبل تشكيل الحكومة المقبلة، في محاولة للحفاظ على دعم الأحزاب الحريدية من جهة، وعدم إغلاق الباب أمام شركاء ائتلافيين محتملين من جهة أخرى.

وفي المقابل، جعلت قوى المعارضة التجنيد الإجباري أحد محاور مواجهتها السياسية مع نتنياهو. ووصف رئيس حزب «يشار» ورئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت الانتخابات بأنها مواجهة بين حكومة تسعى إلى استمرار الإعفاءات وأخرى تفرض الخدمة العسكرية.

كما اتهم رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت نتنياهو بعقد صفقة سياسية مع الأحزاب الحريدية، تقوم على تبادل الدعم اللازم للحكم مقابل ضمان استمرار إعفاء طلاب المعاهد الدينية من التجنيد.

الأحزاب الحريدية تعيد حساباتها

وتزداد تعقيدات المشهد مع تراجع ثقة بعض القيادات الحريدية في نتنياهو، إذ أعلن رئيس كتلة «يهوديت هتوراه» البرلمانية يعقوب آشر أن حزبه لم يحسم موقفه من دعم أي مرشح لرئاسة الحكومة، ولم يستبعد المشاركة في حكومة يقودها آيزنكوت.

واشترط آشر إقرار قانون ينظم الوضع القانوني لطلاب المعاهد الدينية قبل الانضمام إلى أي حكومة، محذرا من أن العقوبات الاقتصادية والاعتقالات لن تدفع المجتمع الحريدي إلى التجنيد، بل قد تؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات.

وتضع هذه المواقف المعارضة أمام معادلة سياسية معقدة؛ فبينما يتمسك آيزنكوت بإنهاء الإعفاء الجماعي من الخدمة، يرفض قادة آخرون، بينهم أفيغدور ليبرمان ويائير غولان، إشراك الأحزاب الحريدية في الحكومة وفق شروطها الحالية.

ويعني ذلك أن تشكيل الحكومة المقبلة قد يتوقف جزئيا على قدرة الأحزاب المتنافسة على التوصل إلى صيغة بشأن تجنيد الحريديم، وهي قضية تجمع بين الاحتياجات العسكرية والاعتبارات الدينية والحسابات الانتخابية.

ثلاثة سيناريوهات للحكومة المقبلة

وتفتح نتائج الانتخابات الباب أمام ثلاثة مسارات رئيسية: عودة نتنياهو إلى التحالف مع الأحزاب الحريدية مقابل تشريع ينظم إعفاء طلاب المعاهد الدينية، أو تشكيل حكومة معارضة تتبنى توسيع نطاق التجنيد، أو تعثر المفاوضات إذا أصبح دعم الأحزاب الدينية ضروريا لتأمين أغلبية برلمانية تبلغ 61 مقعدا.

وقد تدفع الحسابات البرلمانية إلى تسويات جزئية تتضمن تحديد أهداف تدريجية للتجنيد وفرض عقوبات محدودة على المتخلفين عن الخدمة، إلا أن مثل هذه الحلول ستظل عرضة لاختبارين رئيسيين، هما مدى توافقها مع قرارات المحكمة العليا، وقدرتها على تلبية احتياجات الجيش الفعلية.

وبذلك، لم تعد أزمة تجنيد الحريديم مجرد خلاف بشأن الامتيازات الدينية، بل تحولت إلى قضية تمس قدرة المؤسسة العسكرية على معالجة نقص الجنود، وتزيد الضغوط على الاقتصاد، وتضع الأحزاب أمام اختبار صعب في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة، وسط تعارض مطالب الجيش بزيادة أعداد المجندين مع تمسك الأحزاب الحريدية بضمانات قانونية لطلاب المعاهد الدينية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z