حمود بن علي الطوقي
تبدأ بعض الرحلات قبل أن نحزم حقائبنا؛ تبدأ بحديث يوقظ الفضول، واسم مدينة يفتح في الخيال أبوابًا للحكايات. هكذا بدأت رحلتي الأولى إلى أوزبكستان، من سفارتها في مسقط، حين استقبلني سعادة عبدالسلام حاتموف سفير أوزبكستان لدى سلطنة عُمان، وأطلعني على برنامج الزيارة والمشاركة في القمة العالمية «الاستثمار في رفاهية الأطفال: طريق نحو تنمية مستدامة وعادلة للأجيال القادمة»، بدعوة كريمة من الحكومة الأوزبكية.
دعاني سعادته إلى أن أجعل من الزيارة فرصة لاكتشاف المكان. ومع أن الوجهة كانت سمرقند، حيث تُعقد القمة، فإن الشغف جعلني أُبدي له رغبتي في زيارة طشقند وبخارى أيضًا، إن سمح الوقت والبرنامج. فالكاتب يحمل معه، إلى جانب حقيبته، فضولًا لا يهدأ، ورغبة في قراءة المدن من وجوه أهلها وتفاصيل حياتها.
وصلنا إلى مطار إسلام كريموف في طشقند قبيل أذان الفجر. كان المطار مكتظًا بالمسافرين القادمين من مختلف وجهات العالم؛ وجوه تتقاطع، ولغات تتجاور، وحقائب تمضي مع أصحابها إلى حكايات جديدة. تسلّمنا حقائبنا، وكان في استقبالنا أعضاء من اللجنة المنظمة، ثم غادرنا إلى محطة القطار، لنستقلّ القطار المتجه إلى سمرقند. شعرت حينها أن الرحلة إلى المدينة جزء من متعة اكتشافها، وأنني أمضي إلى لقاء طالما سبقني إليه الخيال.
ومنذ الوهلة الأولى سحرتني سمرقند. لفتني جمال المكان ونظافته وحسن التنظيم؛ تفاصيل تمنح الزائر طمأنينة، وتكشف عن عناية الإنسان بمدينته. ما زلت في بداية التعرف إليها، لكن بعض المدن تترك أثرها قبل أن نعرف عنها الكثير، وتدعونا إلى التمهّل كي نرى ما وراء الانطباع الأول.
وأتطلع إلى أن يتسع البرنامج لزيارة ساحة ريجستان ومدارسها التاريخية، ومسجد بيبي خانم، ومجمع شاه زنده، ومرصد أولوغ بيك؛ معالم تفتح نوافذ على ذاكرة سمرقند وما احتضنته من عمارة وعلم. وأجد في هذا اللقاء بالمكان فرصة للتأمل فيما تركته الأجيال السابقة، ونحن نجتمع هنا لنتحدث عما سنتركه للأجيال القادمة.
ففي هذه المدينة، يلتقي ممثلون من أكثر من مئة دولة لمناقشة رفاه الأطفال وحمايتهم وصحتهم وتعليمهم. وتشارك سلطنة عُمان بحضور عدد من المسؤولين بوزارة التنمية الاجتماعية. أما مشاركتي، فأحمل إليها أسئلة وتجارب من عالم مجلة «مرشد»، وإيمانًا بأن ثقافة الطفل وأدبه جزء أصيل من رعايته؛ فالحكاية توسّع خياله، والكلمة تمنحه وسيلة لفهم نفسه والعالم، والقراءة تفتح أمامه أبوابًا قد لا تتيحها ظروفه.
وكأنَّ سمرقند، وهي تجمع العالم حول أسئلة الطفولة، تدعونا إلى رسم خارطة لرفاهها؛ خارطة تبدأ من بيت يمنح الأمان، ومدرسة تفتح أبواب المعرفة، ورعاية تصون الصحة والكرامة، وحكاية تمنح الخيال جناحين. وأجدني، القادم بشغف اكتشاف المكان، أمام رحلة أخرى نتشارك فيها البحث عن طرق تجعل حياة الأطفال أكثر عدلًا وطمأنينة. ولعل ما نرجوه من هذه القمة أن تصبح تلك الخارطة خطوات تصل إلى كل طفل، أينما كان.
وراء عناوين القمة أطفال ينتظرون أثرًا يصل إلى حياتهم: مدرسة تحتضن اختلافهم، ورعاية تحميهم، وفرصة عادلة لتنمو مواهبهم. ومن هنا تأتي قيمة تبادل التجارب؛ أن تتحول الأفكار إلى عمل، وأن يحمل كل مشارك إلى بلده ما يستطيع أن يبني عليه. وفي مجالنا، يبقى السؤال حاضرًا: كيف نجعل الكتاب والحكاية والمحتوى الهادف أقرب إلى الأطفال، وأكثر تعبيرًا عن احتياجاتهم وأحلامهم؟
هذه أولى صفحات الرحلة، أكتبها بدهشة القادم للمرة الأولى، وبامتنان للدعوة التي جمعت بين اكتشاف بلد جميل والمشاركة في حوار عن مستقبل الأطفال. ولعل أجمل ما سأحمله من سمرقند، إلى جانب صور المكان وذكرياته، فكرة تجد طريقها إلى طفل، أو شراكة تمنحه فرصة، أو حكاية تضيء خياله؛ فهناك، في حياة الأطفال، تكتسب خارطة الرفاه معناها الحقيقي
