بين زيف المظاهر ونقاء الجوهر

 

 

 

خديجة الفارسية

قد نحكم على تدين الإنسان من مظهره، أو من بعض التصرفات التي نراها منه، فنظن أن من يكثر من الذكر أمام الناس أكثر صلاحًا، وأن من يرتدي ملابس بسيطة أقرب إلى الزهد، وربما نكوّن انطباعًا عن شخص من هيئته قبل أن نعرف أخلاقه وتعامله مع الآخرين. لكن هل يكفي المظهر للحكم على صلاح الإنسان وتقواه؟ وهل نستطيع أن نعرف ما في قلوب الناس من خلال ما نراه منهم؟ فكم من إنسان بسيط في مظهره عظيم في أخلاقه، وكم من إنسان حسن الهيئة لا نجد في تعامله ما يعكس جمال مظهره.

وقد لفت انتباهي أن بعض الناس يحرصون على إظهار عباداتهم أمام الآخرين؛ سواء بحمل المسبحة أو ترديد الأذكار في المجالس والمناسبات، حتى في الأعراس وأوقات الفرح. ولا أرى أن في حمل المسبحة أو ذكر الله أمام الناس ما يستدعي الانتقاد؛ فالذكر عبادة عظيمة، ومن اعتاد عليه لا ينبغي أن نسيء الظن به، لكن المشكلة حين يتحول إظهار العبادة إلى وسيلة لكسب إعجاب الآخرين أو إقناعهم بصلاح الإنسان وتقواه. ولا نستطيع بالطبع معرفة نيات الناس، فذلك أمر لا يعلمه إلا الله، وإنما علينا أن ننتبه إلى أنفسنا، وأن نحرص على أن تكون عباداتنا خالصة لله، بعيدًا عن حب الظهور وانتظار المدح والثناء.

العبادة ليست وسيلة للحصول على مكانة بين الناس، ولا ينبغي أن تكون طريقًا للبحث عن إعجابهم، وإنما هي علاقة بين العبد وربه، تقوم على الإخلاص وصدق النية. وقد ينشغل الإنسان أحيانًا بصورته أمام الآخرين، ويهتم بما يقولونه عنه، وينسى أن قيمة العبادة ليست في عدد من شاهدوه يؤديها، وإنما في صدقه مع الله. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"، رواه مسلم.

ومن الأمور التي أستغربها أيضًا أن البعض يربط الزهد بإهمال النظافة والمظهر، وكأن الإنسان كلما ابتعد عن العناية بنفسه كان أكثر تدينًا وورعًا. وقد نجد من لا يهتم بنظافة ملابسه أو رائحة بدنه، ويعتقد أن الاهتمام بالمظهر من أمور الدنيا التي لا تستحق العناية، مع أن الإسلام حث على الطهارة والنظافة وحسن الهيئة، ولم يجعل من إهمال النفس دليلًا على التقوى.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطُّهور شطر الإيمان»، رواه مسلم، وقال أيضًا: «إن الله جميل يحب الجمال»، رواه مسلم. فكيف نفهم الزهد على أنه إهمال للنظافة، وقد حثنا ديننا على الطهارة والعناية بالنفس؟ وكيف نعد الاهتمام بالمظهر أمرًا مذمومًا، وهو لا يتعارض مع التواضع وحسن الخلق؟

وليس المقصود بحسن المظهر ارتداء الملابس الغالية أو استعمال العطور باهظة الثمن، فالنظافة شيء، والتفاخر بالمظاهر شيء آخر. فقد يكون الإنسان بسيطًا في لباسه، لكنه نظيف ومرتب، وقد يمتلك أجمل الملابس وأغلاها، لكنه يفتقر إلى التواضع وحسن التعامل. كما أن ظروف الناس تختلف، فمنهم من لا تسمح له أحواله المادية أو الصحية بالعناية بمظهره كما يريد، ولذلك لا ينبغي أن نحكم على أحد من ملابسه أو هيئته.

وأعتقد أن من الأخطاء التي نقع فيها أحيانًا أننا نهتم بما يظهر من الإنسان أكثر مما يصدر عنه من أفعال، فقد نعجب بشخص لكثرة حديثه عن الدين، أو لما نراه عليه من مظاهر العبادة، ثم نفاجأ بسوء تعامله مع الآخرين. وفي المقابل، قد نجد شخصًا لا يتحدث كثيرًا عن عبادته، لكنه صادق في كلامه، أمين في عمله، يحترم الناس، ولا يتردد في مساعدة من يحتاج إليه. وهذا لا يعني أن نحكم بصلاح أحد أو فساد آخر، وإنما أن نتذكر أن حسن الخلق جزء أصيل من التدين، وأن العبادات ينبغي أن تترك أثرًا طيبًا في سلوك الإنسان.

فما الفائدة من أن يحرص الإنسان على إظهار عبادته أمام الناس، ثم يسيء إلى أسرته أو جيرانه أو زملائه؟ وما قيمة المظهر الجميل إذا كان صاحبه يتعالى على الآخرين أو يجرح مشاعرهم؟ إن احترام الناس، والصدق معهم، وحفظ حقوقهم، والرفق بالضعفاء، كلها أمور تعكس ما يحمله الإنسان من أخلاق وقيم، وهي لا تقل أهمية عن عنايته بمظهره وحسن هيئته.

ومن المهم أن نربي أبناءنا على هذه المعاني منذ الصغر، فلا نجعل اهتمامنا مقتصرًا على تعليمهم أداء العبادات، بل نعلمهم أيضًا كيف يتعاملون مع الآخرين، وكيف يحترمون الكبير ويرحمون الصغير، ويحافظون على نظافتهم دون إسراف، ويتواضعون دون أن يهملوا أنفسهم. والأهم من ذلك أن نكون قدوة لهم، فالأبناء يتعلمون من تصرفاتنا أكثر مما يتعلمون من نصائحنا، ولا يمكن أن نطلب منهم حسن الخلق ونحن نسيء إلى الآخرين، أو نعلمهم التواضع ونحن نتفاخر بما نملك.

وعليه، لا أرى تعارضًا بين أن يكون الإنسان متدينًا وأنيقًا، أو زاهدًا وحريصًا على نظافته، أو كثير العبادة وقليل الحديث عنها. فليس مطلوبًا منا أن نثبت صلاحنا أمام الناس، ولا أن نحكم على تدين الآخرين من مظاهرهم. وما أجمل أن يكون الإنسان نظيفًا في مظهره، صادقًا في عبادته، حسنًا في تعامله، وأن يهتم بإصلاح نفسه أكثر من انشغاله بالحكم على غيره.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z