ناصر بن حمد العبري
ليست القاهرة مدينة تُروى حكاياتها من الكتب وحدها، بل مدينة تُعاش تفاصيلها في الشوارع والمقاهي وعلى ضفاف النيل، وفي اللقاءات التي تأتي أحيانًا مصادفة، لكنها تترك في الذاكرة أثرًا لا تصنعه الأيام.
وفي إحدى ليالي القاهرة الساحرة، وجدت نفسي أمام تجربة استثنائية جمعتني بأستاذي حاتم بن حمد الطائي، رئيس تحرير جريدة «الرؤية»، وبقامة علمية ودبلوماسية تركت حضورًا مميزًا في المشهد العربي، هو الدكتور عبدالله الأشعل، أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا.
كان اللقاء خلال مشاركتنا في مؤتمر بالعاصمة المصرية، لكنه سرعان ما تجاوز حدود المناسبة الرسمية؛ فالشخصيات الكبيرة لا تحتاج إلى وقت طويل كي تترك أثرها. ومنذ اللحظات الأولى للحوار، بدا واضحًا أننا أمام رجل يحمل تجربة واسعة في القانون الدولي والعلاقات الدولية والدبلوماسية، ويملك قدرة لافتة على ربط المعرفة بالواقع، والتاريخ بالحاضر، والسياسة بالإنسان.
ويزيد هذه الشخصية تميزًا إجادته أكثر من سبع لغات، وهي مهارة لا تعكس فقط قدرة لغوية استثنائية، وإنما تكشف عن عقل منفتح على الثقافات والحضارات. فاللغة عند أصحاب الفكر ليست كلمات تحفظ، وإنما جسور تعبر بها الشعوب نحو بعضها بعضًا، وتكتشف من خلالها اختلافاتها ومساحات التشابه بينها.
وبعد أجواء المؤتمر والحوارات الفكرية، كان للنيل موعد آخر معنا. جلسنا في فندق أم كلثوم المطل على النيل الخالد؛ حيث القاهرة تبدو من الماء أكثر هدوءًا، وأكثر جمالًا. أضواء المدينة تنعكس على صفحة النيل، والمراكب تمضي في هدوء، والهواء يحمل شيئًا من عبق القاهرة القديمة.
ثم جاء صوت أم كلثوم ليكمل المشهد.
كانت أغنياتها تنساب في المكان، وكأن «كوكب الشرق» لا تزال حاضرة في ليالي القاهرة، تحفظ للنيل ذاكرته، وللمكان روحه. وفي تلك اللحظة، لم يكن الجلوس مجرد عشاء عابر، بل كان لقاءً بين التاريخ والفن والفكر؛ بين نهر شهد آلاف الحكايات، ومدينة صنعت من الثقافة أسلوب حياة.
أما الشعب المصري، فكان حاضرًا في كل التفاصيل؛ بابتسامته، وطيبته، وخفة ظله، وقدرته على جعل الغريب يشعر بأنه بين أهله. وهذه واحدة من أجمل خصال مصر التي تجعل الزائر يعود إليها بقلبه قبل أن يعود إليها بجواز سفره.
وفي تلك الليلة، أدركت أن قيمة السفر لا تكمن في المدن التي نزورها فحسب، وإنما في الأشخاص الذين نلتقيهم، والأحاديث التي نتبادلها، واللحظات التي تتحول بعد مغادرتنا إلى ذاكرة.
سيظل لقاء الدكتور عبدالله الأشعل، برفقة أستاذي حاتم بن حمد الطائي، واحدًا من تلك اللقاءات التي أعتز بها؛ لقاء جمع العلم بالدبلوماسية، والفكر بالثقافة، والإنسان بالإنسان.
وحين عدنا من ضفاف النيل، بقيت القاهرة خلفنا، لكن شيئًا منها ظل معنا؛ صوت أم كلثوم، ودفء المصريين، وأضواء النيل، وذاكرة لقاء جميل مع رجل من رجال العلم والدبلوماسية.
هكذا هي القاهرة.. تمنحك في كل مرة سببًا جديدًا لتحبها، وتترك في قلبك ليلة لا تنتهي، حتى وإن انتهت ساعاتها.
