ناجي بن جمعة البلوشي
في أمريكا حينما كنتُ طالبًا كنتُ أحدِّثُ فيها نفسي بأنَّ العودة إلى الوطن ستكون شيئًا خاصًا؛ كأن أقول لها إن العودة إلى الوطن ليست واقعةً جغرافية تنتهي عند بوابة الوصول في المطار؛ فالعودة، في معناها الأعمق، امتحانٌ للعلاقة بين ما استثمره الوطن في إنسانه المبتعث للدراسة الجامعية ولكسب المعرفة وللحصول على ما كان ينبغي أن يحصل عليه لبناء الوطن، وما يستطيع الوطن أن يستعيده منه.
بعد خمس سنوات قضيتها خارج البلاد في التحصيل والتكوين المعرفي، عدتُ وفي ذهني ذلك التصور البسيط الذي يرافق الإنسان حين يُغادر وطنه طالبًا للعلم: أن المعرفة، حين تكتمل، ستجد بالضرورة مجالًا تُستثمر فيه. غير أن التجربة بعد العودة وضعتني أمام سؤال أكثر عمقًا من سؤالي الخاص بالبحث عن الوظيفة: وهو ما الذي تفعله الدولة بالإنسان الذي أعدّته؟ وعنده أتوقف عن التفكير في الإجابة؛ فالإجابة ليست سهلة بالمعنى الذي سيكون سهلا أن أتلقاه لأفهمه، فليس المقصود بالدولة هنا مؤسسات التوظيف وحدها، ولا المقصود بالإنسان الشاب الباحث عن عمل هو أنا أو مجرد طالبٍ لمقعد مهني؛ بل نحن أمام مسألة أكبر من السؤال ومن الإجابة عليه أو الاقتناع بالإجابة لأنها تتصل بجوهر الإدارة الحديثة لرأس المال البشري: وكيف تنتقل الدولة من مرحلة إنتاج المؤهلين إلى مرحلة استثمار الكفاءات؟ فلو قسناها بمقياس تحصيلهم الشهادة لوجدنا أنها ليست نهاية الاستثمار في الإنسان المواطن؛ فهي لحظة لنقله إلى دائرة الإنفاق عليه وتبقى لحظة أخرى غائبة وهي لحظة نقله إلى دائرة إسهامه في الاقتصاد والمجتمع.
وعندما تنقطع هذه الصلة، تظهر مفارقة جديرة بالتأمل: إنسان أمضى سنوات في بناء قدرته، ثم يجد نفسه خارج المجال الذي يمكنه فيه من تحويل تلك القدرة إلى أثر يُفيد الوطن.
لذا فإنَّ المسألة هنا لم تعد شأنًا فرديًا محضًا؛ فالفرد قد يتحمل تأخر فرصته الوظيفية، وقد يعيد ترتيب خياراته، وقد يبدأ من جديد في تكاليف دراسية عبء على أسرته.
أما الدولة، فإنَّ عليها أن تنظر من مستوى آخر: مستوى الكفاءة الوطنية، والعائد على التعليم، واستدامة سوق العمل، وقدرة الاقتصاد على استيعاب التخصصات التي أنفق المجتمع على إعداد أصحابها. لهذا فإن اختزال قضية الباحثين عن عمل في عدد الشواغر المتاحة والمولدة قد يكون اختزالًا لمسألة أكبر نضجًا وأقل وضوحا وهو غياب المنظومة المتكاملة المتصلة بين التعليم والاقتصاد.
الابتعاث مثلًا، يفقد طريقه منذ لحظة اختيار التخصص والمؤهل إليه، أو ربط المبتعث بالبعثة ثم انتهى؛ لأننا لم نعد الإجابة الجاهزة سلفًا للأسئلة التي سيسألها المستقبل مثل أين يمكن أن تكون الحاجة إليه بعد سنوات؟ هل يملك سوق العمل القدرة على استيعاب التحولات التي تطرأ على طبيعة المهن؟ هل توجد مسارات حقيقية لإعادة توجيه الكفاءات حين تتغير احتياجات السوق؟ وهل يُنظر إلى العائد من الخارج باعتباره مجرد خريج جديد، أم باعتباره رصيدًا معرفيًا وتجربة دولية يمكن أن تضيف إلى المؤسسة والاقتصاد؟
مثل هذه الأسئلة لا تستهدف مؤسسة بعينها، ولا تحتاج إلى خصومة مع أحد. إنها ببساطة أسئلة دولة كان يجب عليها أن تنظر إلى الإنسان باعتباره أصلًا وطنيًا لا رقمًا في قوائم الانتظار. لقد اعتدنا أن نتحدث عن تمكين الشباب، وعن اقتصاد المعرفة، وعن الاستثمار في الإنسان. لكن الاختبار الحقيقي لأي خطاب من هذا النوع لا يقع في الكلمات التي تقال عنه، بل في اللحظة التي يعود فيها الإنسان حاملًا المعرفة، ثم يبحث عن المكان الذي تتحول فيه معرفته إلى قيمة.
هناك، تحديدًا، يُختبر كل تلك العبارات. ولست هنا كاتبًا يطلب استثناءً لنفسه، ولا من موقع من يرى في تجربته معيارًا للحكم على تجربة وطن بأكمله. لكنني أيضًا أكتب من موقع أكثر تواضعًا، وربما أكثر صعوبة: موقع من عاش التجربة ثم وجد فيها سؤالًا عامًا يستحق أن يُطرح. فبعد خمس سنوات من الغياب عن أهلي وأرضي وهي من أصعب اللحظات، لكنها لم تكن أصعبها على الاطلاق في مفارقة الأهل والوطن لأنها كانت محملة بالأمل والأمانة، لكن اللحظة الأكثر دلالة على الصعوبة هي العودة.. أن تعود وقد تغيرت أنت، أنت الذي كنت الرقم الأصعب في الاختيار والمنافسة ثم تسأل: هل تغيرت المساحة التي يفترض أن أضع فيها ما تعلمته؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تخصني وحدي. إنها تخص كل مبتعث عاد، وكل شهادة تنتظر دورها، وكل كفاءة لم تجد بعد مجالها، وكل أسرة ظنت أن يوم التخرج لنجلها هو بداية الاستقرار.
ولان الأمل موجود في الوطن؛ فنحن نُبقيه لعل المرحلة القادمة من سياساتنا تجاه الإنسان نظنها أنه لا ينبغي أن تنشغل فقط بكيف نُخرج أجيالًا أكثر تعليمًا، بل بكيف نبني وطنًا يعرف ماذا يفعل بكل هذا التعليم حين يعود إليه؛ فالدول لا تبلغ نضجها حين تستطيع أن ترسل أبناءها بعيدًا ليتعلموا. بل تبلغ نضجًا أعلى حين تستطيع أن تستقبلهم بعد عودتهم، وتعرف أين تضع كل واحد منهم في مشروعها الأكبر.
وهناك فقط، يصبح الابتعاث استثمارًا مكتمل الدورة، وتصبح العودة بدايةً للإسهام، لا بدايةً لانتظار جديد.
