ناصر بن حمد العبري
في القاهرة، لا تنتهي الحكايات حين تغيب الشمس، بل تبدأ المدينة في كتابة فصل آخر من جمالها. هناك، حيث تتلألأ أضواء العاصمة على صفحة النيل الخالد، وحيث تمتزج حركة الشوارع بصوت الناس وضحكاتهم، عشنا ليالي ستبقى عالقة في الذاكرة، ليس لأنها كانت مجرد ليالٍ في مدينة عربية عريقة، وإنما لأنها حملت معها إحساسًا خاصًا لا يشبه سواه.
كانت أجمل اللحظات تلك التي قضيناها على ضفاف النيل، نسير في ممشاه، نراقب انعكاس الأضواء على المياه، ونتبادل الأحاديث في هدوء الليل. وفي بعض الأمسيات، كان المشهد أكثر جمالًا ونحن نجلس في أحد المطاعم العائمة، والنيل من حولنا يتحرك بهدوء، فيما تتهادى أضواء القاهرة على سطحه وكأنها نجوم سقطت من السماء لتستقر فوق الماء.
وفي تلك الأجواء، كان لصوت السيدة أم كلثوم حضور مختلف. كانت أغنياتها تعود بنا إلى زمن القاهرة الجميل، فتكتمل الصورة: نيل خالد، وليلة مصرية، ومطعم عائم، وصوت كوكب الشرق ينساب في المكان، ليمنح اللحظة روحًا لا يمكن وصفها بسهولة.
أم كلثوم ليست مجرد صوت غنائي ارتبط بالمصريين والعرب، بل هي جزء من الذاكرة الثقافية العربية، وحين تستمع إلى صوتها في القاهرة، تشعر وكأنك تستعيد شيئًا من تاريخ المدينة، وتلتقي بزمن كانت فيه الأغنية قادرة على جمع القلوب من المحيط إلى الخليج.
لكن القاهرة لا تسحر زائرها بالنيل وأجوائها فقط؛ فالإنسان المصري هو الحكاية الأجمل. في كل شارع ومكان، تجد تلك البساطة التي تفتح أبواب القلب، وتلك الطيبة التي تجعل الغريب يشعر بأنه ليس غريبًا. ابتسامة هنا، وكلمة طيبة هناك، وموقف عابر قد يتحول إلى ذكرى تبقى طويلًا.
وهذه الطيبة ليست تفصيلًا عابرًا، بل واحدة من السمات التي تجعل القاهرة قريبة من وجدان العمانيين والخليجيين والعرب عمومًا. ففي مصر نشعر أن العلاقات بين الشعوب لا تحتاج دائمًا إلى كثير من الكلام؛ يكفي أن تلتقي القلوب حتى تختصر المسافات.
لقد كانت ليالي القاهرة بالنسبة لنا أكثر من وقت نقضيه في مدينة؛ كانت تجربة إنسانية وثقافية، امتزج فيها جمال المكان بدفء الإنسان. وبين ممشى النيل والمطاعم العائمة وصوت أم كلثوم، تشكلت صور ستبقى حاضرة في الذاكرة.
غادرنا القاهرة، لكن القاهرة لم تغادرنا. تركت فينا شيئًا من ضجيجها الجميل، ومن هدوء النيل، ومن أصوات مقاهيها وشوارعها، ومن طيبة أهلها. وستظل بعض الليالي عصية على النسيان، لأنها لم تكن مجرد ليالٍ قضيناها في القاهرة، بل كانت ليالي عشنا فيها مصر كما تُعاش الذكريات الجميلة: بالقلب قبل العين.
